إقرأ المزيد <


اجتهاد العلماء ومعادلة الدين والسياسة

وليد الهودلي
أربعاء ٢٩ ٠٥ / ٢٠١٣
من المعروف في تاريخ الفقه الإسلامي أن المجتهد عندما يصيب له أجران، وعندما يخطىء له أجر واحد، ومن المعروف أيضًا أن جدلية النص والعقل قد وجدت حلًّا عظيمًا في الفكر الإسلامي، فلا النص يلغي العقل ولا العقل يلغي النص، فهما متكاملان وكلٌّ منهما ضروري للآخر، فالعقل يسترشد من النص، والنص يحتاج إلى العقل في الفهم والدراسة والإسقاط على الواقع بطرق صحيحة من غير تمحل ولا ليّ لأعناق النصوص لتستجيب إلى انحرافات الواقع وضغوطاته، ومن المعروف أيضًا أن الفتوى تتأثر بالظرف والزمان والمكان، وأحيانًا تتطلب دراسة الحالة بكل تفاصيلها ليستنبط لها حكم خاص بها، وأن للضرورة أيضًا أحكامًا خاصة بها وتقدر بقدرها، وأن هناك مصالح شرعية لها ضوابطها، وهناك مصالح مرسلة لم يقيدها شيء وبقيت مرسلة لتقديرات أهل العلم والمعرفة والاختصاص.

كل هذا يجعلنا ندرك تمامًا لماذا غير الإمام الشافعي _مثلًا_ كثيرًا من فتاواه عندما انتقل من العراق إلى الشام، فأنشأ مذهبًا جديدًا، وندرك تمامًا لماذا كان يعود كلٌّ من الحنبلي وأبي حنيفة عن رأيه إذا اتضح له خلاف ما رأى من قبل، وكذلك عندما كان الواحد منهم يخالف الآخر وفي الوقت نفسه يبقى على القدر نفسه من الاحترام والإجلال، على قاعدة: "رأيي صواب ويحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ ويحتمل الصواب".

وهناك أيضًا مجالات يلعب فيها العقل بشكل أكبر من مجالات أخرى، فللمجال السياسي هامش واسع جدًّا للعقل يختلف كليًّا عن فقه العبادات _مثلًا_ الذي أشبع على مر التاريخ بحثًا واجتهادًا، والمتغير فيه ضيق جدًّا، أما المتغير في المجال السياسي فهو كبير، فمثلًا: عندما قيل لعمر بن الخطاب: "إن الذي يحكم الروم داهية وأرطبون في السياسة"، بعث له عمرو بن العاص، وقال: "رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، لنرَ ماذا يصنع"، فالسياسة كلها دهاء ومكر وإعمال للعقل، وتحتاج إلى الخبرة والتجربة والعلم والذكاء وسرعة البديهة، والقدرة على استشراف ما يفكر به الآخرون، وإدراك الأمر من كل الأبعاد، والقدرة على اتخاذ الرأي السديد في الوقت المناسب الذي لا يحتمل التلكؤ وتضييع الفرص، تمامًا كلعبة الشطرنج؛ فاللاعبون يتفاوتون في قدراتهم ومهاراتهم، وقوة تقديرهم للخطوات القادمة؛ فلا تكفي معرفة قواعد اللعبة والرسوخ في العلم والمعرفة، وإنما لابد من خوض غمار التجربة والتمرس باللعب (...) إلخ، وهذا الذي يحسم في النهاية النتيجة وفوز طرف على الآخر.

نعود إلى الشيخ يوسف القرضاوي، إذ نجد من يأخذ باجتهادات القرضاوي جملة وتفصيلًا، ويفترض فيه أنه العلامة الذي لا يخطئ، وأنه لا يشق له غبار، ودونه الآخرون في كل التخصصات، فإن أفتى في فقه العبادات وفقه المعاملات مبينًا الحلال والحرام؛ فهذا هو الصواب الذي لا يقبل الخطأ، وكذلك فتواه في السياسة والاقتصاد، وكل ما يواكب متطلبات العصر في الشريعة والحياة؛ فهما سيان ولا يحتاجان إلا إلى الرسوخ في العلم، وسعة المعرفة في قواعد العلم والاجتهاد.

وهناك في المقابل من يأخذ على القرضاوي فتوى في السياسة مثلًا؛ فيحمل عليه ويتهمه بالانحراف والتحول إلى مفتي السلطان، وأنه قد أصبح ذيلًا للحكام؛ فيرفضه جملة وتفصيلًا ويناصبه العداء.
عجيب أمر هؤلاء وهؤلاء، كيف كان موقفهم من العلماء السابقين؟!، لماذا تراه يقلد الشافعي في أمور والحنفي في أمور أخرى، مثلًا؟!، لماذا تراه لا يحمل على أحد من العلماء _رغم اختلاف الاجتهادات بشكل كبير_ ويحفظ صدره من أي غل أو تحامل على أحد منهم؟!، هنا ندرك أن الأهواء السياسية قد دخلت في الموضوع، فإن وافق العالم على ما أرى فله كل الاحترام، وإن خالفني في الرأي فله مناصبة العداء.

وهنا لابد لنا من إعطاء نظرة سريعة على "الفكر الإسلامي السياسي المعاصر" ومرجعياته، وكيفية استنباطاته واستخلاصاته لمواقفه السياسية من هذه المرجعيات الفكرية التي يرتكز عليها، إذ إن هناك الكثير من المفاهيم الخطأ التي تكتب وتنشر بهذا الخصوص، بعض هذه المفاهيم الخطأ هو من بعض الإسلاميين وطريقة ممارستهم للسياسة، إذ إنه عندما يجتهد ويخرج للناس بموقف سياسي لا يقول للناس إن هذا قد خلص إليه بعقله، وإنه ليس دينًا مقدسًا، وإنما ما فهمه من الدين، وما اجتهد كي يكون مصيبًا في الدين أولًا، وفي طريقة إسقاطه لما وصل إليه على الواقع ثانيًا، وفي هذا الأمر قد يكون مصيبًا وقد يكون مخطئًا، في واقع الأمر لا يجري الأمر هكذا في الأغلب، وإنما يأتي من أجل إقناع الناس برأيه بالآية والحديث اللذين يعززان موقفه، فيفهم الناس _شاء ذلك أم أبى_ أن رأيه هذا هو الدين بعينه، ويلبس بذلك القداسة والعصمة في نفوس الناس من حيث لا يريد أو يريد.

والذي يظهر للناس بلحية يمثل الدين، والحليق يعد بعيدًا عن الدين ويمثل العلمانية وغيرها، في حين قد يكون العكس تمامًا إذا أعمل العقل في السياسة، وكانت الخبرة والتجربة والصدق في إصابة مصالح الناس العامة.

وورد أن كاتب عمر بن الخطاب كتب: "هذا ما أرى الله لأمير المؤمنين .."، فقال عمر: "بئس ما كتبت!، امحه، وقل: "هذا ما رأى أمير المؤمنين"، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي"، هذا درس يعلمنا أن العالم والحاكم عرضة للصواب والخطأ، ولا عصمة لأحد، وهذا من شأنه أن ينشط العقل والإبداع؛ فلا تقف عقول الناس عند حدود عقول الحكام والعلماء، فينتقل المجتمع من حالة التفكير الفردي إلى حالة التفكير الجماعي، وبالتالي الكل يتحمل المسؤولية بكفاءة عالية، وهذا ما عبر عنه الحديث الشريف: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.."، وهذا ما وصلت إليه المجتمعات الديمقراطية الحديثة، إذ إن المشاركة في صناديق الاقتراع تعني أن الكل يختار من يمثله في الحكم، وبالتالي الكل شريك في القرارات السياسية والاقتصادية التي تتخذها الحكومة المنتخبة، وعندما تردد عبد الله بن عباس في الإدلاء برأيه أمام كبار القوم قال له عمر: "قل يا ابن أخي، ولا تحقر نفسك"، اليوم أصبح القول في البلد لنخب سياسية ودينية، وأصبح الشعب إما مصفقًا أو متفرجًا لا يعنيه الشأن العام.

ثم إن نظرة الآخرين الذين يكتبون ويحاولون تشريح آراء ومواقف لأصحاب الفكر الإسلامي السياسي المعاصر لا ينطلقون من معرفة واسعة بطبيعة الفكر الإسلامي، وسعة هامش العقل في هذا الفكر، خاصة في المجال السياسي، فيدخلوا أو يدخلهم النقاش في دائرة الإسلامي وغير الإسلامي، أو من يقبل الإسلام ومن يرفضه، وبالتالي تصنيف الأشياء بين الأسود والأبيض دون رؤية بقية الألوان والأبعاد للمسألة مدار البحث والنقاش، وكذلك ينظر للإسلاميين _إن جاز التعبير_ بأنهم جامدون، وتحكمهم نصوص لا تعطي مجالًا لعقل، وأنهم لا يعطون للحداثة ومتطلبات التطور لهذا العصر أي اعتبار، بل هم قادمون من عمق التاريخ ليعيدوا عجلة الزمان إلى الخلف مئات القرون، وبهذا يبقى كلٌّ على حاله.

أقول: آن الأوان أن يفهم كلٌّ الآخر بما هو عليه، بعيدًا عن الأوهام المصطنعة التي تزيدنا فرقة واختلافًا بسبب أو دون سبب، أن الأوان لنعمل العقل والدين وكل متطلبات النجاح والإبداع، والخروج من الآصار والأغلال التي صنعتها سنوات مديدة من التخلف والعقم السياسي، آن الأوان أن ينفتح كلٌّ على الآخر، وأن يخرج كلٌّ من قمقمه؛ فلم يعد الإسلامي إسلاميًّا خالصًا لا تشوبه شائبة، ولم يعد العلماني كذلك خالصًا في علمانيته لا تشوبه شائبة، لقد أخذ كلٌّ من الآخر في مجال العقل والحكمة والتجربة السياسية، والشيخ القرضاوي ليس بدعًا من الأمر، بل هو عالم مجتهد يصيب ويخطئ، نتفق معه ونختلف، وكما قالوا قديمًا: "كل الناس يؤخذ منهم ويرد إلا صاحب هذا المقام"، أي رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

ملفات أخرى متعلفة