إقرأ المزيد <


(إسرائيل) مرحلة ما بعد العنصرية

فايز رشيد
سبت ٢٥ ٠٥ / ٢٠١٣
الأنظمة العنصرية، كما الأخرى الدكتاتورية، تصل إلى مرحلة من الإشباع في عنصريتها بعد استنفاد كل ما تستطيعه من وسائل وقوانين عنصرية ضد فئات معينة فيها، إلى الحد الذي تبدأ فيه اختراع وسائل وقوانين جديدة، حيث تكون هي السبّاقة فيها، على مستوى التاريخ، إذْ لم يسبقها أحد في كل مراحله إلى الإمساك بهكذا قوانين، حيث يجوز توصيف هذه الأنظمة والحالة هذه، بأنها أصبحت في مرحلة جديدة، ما بعد الظاهرة المعنية. ألا وهي العنصرية، أي بمعنى آخر: في مرحلة ما بعد العنصرية، وهذا توصيف جديد للعنصرية الصهيونية.

"إسرائيل" خير تمثيل لهذه المرحلة، فقد تفوقت على كل الأنظمة الشبيهة في التاريخ في عنصريتها، لذا وعن جدارة تحتل المرتبة الأولى في مرحلة ما بعد العنصرية.

في الكيان الصهيوني ووفقاً للمنظمة المعنية بحقوق (الأقلية العربية) عدالة، فإن هناك 20 قانوناً تمييزياً تتحدث بشكل واضح عن التمييز ضد الفلسطينيين العرب في المنطقة المحتلة عام 1948، تسمى "قوانين أساس" بدلاً من الدستور. 12 منها تنص بشكل مباشر على التمييز، أما الثمانية الأخرى فهي غير مباشرة في عنصريتها، لكن المقصود من بين سطورها هو ممارسة العنصرية ضد أهلنا هناك.

"إسرائيل" ومنذ إنشائها في عام 1948 وحتى عام 2010 سنّت 32 قانوناً تمييزياً. أما في العامين 2011-2012 فقد قامت بتشريع 8 قوانين عنصرية، ومنها منع فلسطينيي 48 من إحياء ذكرى النكبة، وحق وزير الداخلية الإسرائيلي في سحب الجنسية من العرب، وغيرها وغيرها.

ليس مصادفة أن يطلب نتنياهو والقادة الإسرائيليون الآخرون من الفلسطينيين والعرب الاعتراف "بيهودية إسرائيل"، وذلك لأخذ المبررات الكاملة مستقبلاً للتخلص من فلسطينيي منطقة 48 بكافة الأشكال والطرق، المعروفة منها والمجهولة. والقيام خلال مرحلة الإعداد للترانسفير، بحصارهم قانونياً من خلال أدلجة العنصرية وقوننتها، لخلق وقائع حياتية تصعّب من معيشتهم. لدفعهم البحث عن حلول، منها الهجرة إلى الخارج.

التمييز في "إسرائيل" ضد العرب يطال حقوق المواطنة، الحقوق السياسية، التعليم، البناء والسكن، سلب الأراضي العربية ومصادرتها بكافة الوسائل والسبل، توزيع الموارد وميزانيات مجالس القرى والبلديات، الحقوق الدينية وغيرها، وغيرها.

من الملاحظ أن القوانين العنصرية والممارسات التمييزية ضد العرب تتناسب بشكل طردي مع مضي السنوات على إنشاء الكيان الصهيوني، هذه هي الحقيقة الأولى.

أما الحقيقة الثانية التي هي ليست بعيدة عن الأولى فهي التناسب الطردي بين العمر الزمني للكيان وسيطرة الاتجاهات الأكثر تطرفاً على الحكم فيه بكل ما يعنيه ذلك من تداعيات: العدوانية، المجازر ضد الآخرين، الفوقية والاستعلاء، اعتماد الأسس والمبادئ التوراتية الصهيونية في التأسيس للعنصرية من خلال تشريع القوانين.

خلال الأسبوعين الماضيين، وتحديداً الأربعاء 7 مايو الحالي أقّر الكنيست من حيث القراءة الأولى قانونين يدخلان في مجرى القوانين العنصرية.

الأول اتخذ تسميته: "قانون استقرار الحكم" ويستهدف تقليص الحقوق السياسية (المقلصة أصلاً) للفلسطينيين في منطقة 48، والتخلص من الوزن الانتخابي لهم.

أما القانون الثاني فهو يدعو إلى توسيع نطاق "قانون القذف والتشهير"، بحيث يمنع مهاجمة وانتقاد جيش الاحتلال الإسرائيلي والأجهزة الأمنية كافة.

بداية من الضروري القول: إن "إسرائيل" استفادت ولا تزال تستفيد من مشاركة فلسطينيي 48 في انتخابات الكنيست، فهي تسّوق نفسها دولياً بأنها "دولة ديمقراطية"! هذا مع العلم أن النواب العرب في الكنيست محاصرون، ومقيدون، ويجري إسقاط العضوية عن بعضهم في الكثير من الأحيان، وهم بعددهم القليل الذي يظل في حدود (10 نواب) لا يتركون أي تأثيرات لا في التشريع الإسرائيلي ولا في الحياة السياسية.

ومع ذلك، الاتجاهات الأكثر تطرفاً في الأحزاب الإسرائيلية تدعو باستمرار إلى محاكماتهم وإلى طردهم من الكنيست.

قبل بضعة أسابيع، جرى تقديم مشروعين عنصريين إلى الكنيست، يستهدفان الحد من حقوق أهلنا في منطقة 48. مشروع القانون الأول "استقرار الحكم" تقدم به نواب حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة الفاشي ليبرمان، يدعو إلى رفع نسبة الحسم لدخول الأحزاب في الكنيست من 2% إلى 4% (بمعنى ألا يسمح للحزب الذي ينال أقل من 4% من جميع الأصوات، بدخول الكنيست).

ذلك بالطبع لضرب مشاركة الأحزاب العربية في الكنيست، فهي كلها أحزاب صغيرة بالكاد تتجاوز نسبة الحسم الحالية وهي 2%. الأمر الآخر في هذا المشروع يتعلق بحجب الثقة عن الحكومة، فوفقاً له يحظر على أي كتلة نيابية أو تجمع كتل تقديم اقتراحات للكنيست بحجب الثقة عن الحكومة القائمة، إلا إذا نجحت (هذه الكتلة أو الكتل).

أولاً: في تشكيل حكومة بديلة بأغلبية 61 صوتاً من 120، هذا يقصد نواب عرب منطقة 48 تحديداً، فهم في المعارضة دوماً، لكنهم لا يشاركون في أي حكومة إسرائيلية قائمة أو بديلة، لذا فهم في العادة يصوتون ضد الحكومة البديلة (الجديدة) مما يجعل الأغلبية المقصودة هي أغلبية يهودية للأحزاب الإسرائيلية، وهذا يضعف من تأثيرات ووزن النواب العرب.

مشروع القانون الثاني حول "القذف والتشهير"، فقد جاء بعد فيلم "جنين... حنين" للمخرج الفلسطيني من منطقة 48 المعروف محمد بكري، الذي يحكي عن المجزرة التي ارتكبها الجيش الصهيوني في مخيم جنين عام 2003.

بعد الفيلم حاول إسرائيليون كثيرون رفع دعاوى قضائية على بكري، لكن لا يوجد نص في القانون الإسرائيلي يجرّم من يتناول الجيش.

لذا بادر المشرعون الإسرائيليون إلى تلافي هذه الثغرة القانونية، بإدراج مشروع جديد على جدول الكنيست، وجاء بصيغة إعطاء الحق لأي إسرائيلي بمقاضاة شخص آخر بتهمة "تشويه سمعة" الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية، وليس فقط عن طريق الأفلام وإنما أيضاً عن طريق الكلام والخطابات والمقالات.

هذا جزء من حقيقة "إسرائيل"، الكيان الذي تصنع منه الولايات المتحدة والدول الغربية عموماً واحة للديمقراطية في المنطقة العربية.

يبقى القول: إن الحكومة الحالية مهيأة ومرشحة لسن قوانين عنصرية جديدة في دولة الكيان الصهيوني، وأن الدولة الإسرائيلية تجاوزت العنصرية إلى مرحلة ما بعدها.

ملفات أخرى متعلفة