إقرأ المزيد <


أوباما يخيِّب آمال الحالمين

فايز رشيد
سبت ٣٠ ٠٣ / ٢٠١٣
وأخيراً انكشف الغطاء (وهو مكشوف أصلاً لكن البعض لا يرى!) عن زيارة الرئيس أوباما لكل من "إسرائيل" ورام الله والأردن، والتي جاءت في 98% منها تأييداً ل"إسرائيل"، ولأطروحاتها، ولرؤاها التسووية سواء مع الفلسطينيين أو العرب. بداية: أذكر تلك الحالة الأيفورية (الانبساط والفرح الشديدين) التي تلبست العديدين من السياسيين والكتاب والصحفيين العرب ( بمن فيهم الفلسطينيون) في لصق الأوصاف المتفائلة كثيراً بأوباما بعد فوزه في ولايته الأولى في عام 2008.

هؤلاء تفاءلوا واعتقدوا: أن أميركا في عهده ستُنصف الفلسطينيين والعرب، وأنه سيتصدى للوبي الصهيوني في أميركا، وأنها ستبدأ عهداً جديداً في العلاقات مع قضايا العالم، ووصل الأمر ببعضهم إلى إطلاق اسم أبو حسين عليه (تيمناً باسم والده) وأن أوباما أصلاً من إفريقيا ومن المسحوقين، وأن الدولة الفلسطينية ستقام في عهده، حتى إن الرئيس عباس اعتبر موضوع إقامتها (ديناً في عنق أوباما - في مخاطبته له في واشنطن في الأمم المتحدة وفق مقاييس الشهامة العربية!) والبعض صور أوباما (بالمسلم رغم اعتناقه للمسيحية!).

ترافق ذلك، وإمعاناً في الديماغوجية أن الولايات المتحدة زادت من مراكز أبحاثها للدراسات التي تتناول العلاقة بين الولايات المتحدة والدول العربية والإسلامية، ودعت الكثيرين من النشطاء العرب (وخاصة من الشباب) لزيارتها... كل ذلك كان بهدف الاقتراب من جواب السؤال: لماذا يكرهوننا؟.

ساهمت كلمتا الرئيس أوباما في أنقرة وفي جامعة القاهرة وتلفظه ببعض الكلمات العربية، واستشهاده بمعاني بعض الآيات القرآنية، وإصراره على وقف (إسرائيل) للاستيطان في الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية كشرط رئيسي لإعادة المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية.... كل ذلك وغيره من السياسات المزيفة ساهم في ازدياد حدة حالة (الانبساط الشديد) لدى أولئك المتفائلين، إلى الحد الذي أسقطوا فيه رغباتهم الشخصية على سياسات الرئيس أوباما. من جهة فالوقائع في منتهى الوضوح لمن يريد رؤيتها على حقيقتها دون تزويق ودون رتوش. من جهة أخرى فإن بعض الحقائق من المفترض أن تصل إلى حدود اليقينيات العقلية والذهنية، فهي أصبحت بمثابة القوانين غير المكتوبة ومنها أن الإدارات الأميركية المختلفة لكافة الرؤساء الأميركيين هي بمثابة الواجهات (ليس إلا) لصاحب الحكم الفعلي في أميركا وهو المجمع الصناعي العسكري بالتحالف مع رأس المال المالي على صعيد السياسات الخارجية ومنها العلاقة مع "إسرائيل".

لذلك نرى أن كل إدارة أميركية في عهد مطلق رئيس تطمح الوصول إلى مركز" الأشد إخلاصاً لإسرائيل". من جانبه يحاول كل رئيس أميركي الوصول إلى هذه الصفة. لذا فإن محللينا يصفون كل إدارة أميركية لأي رئيس جديد (بأنها الأخلص لإسرائيل)! في الحقيقة أن كافة الإدارات الأميركية تُعتبر (الأكثر إخلاصاً لإسرائيل).

لقد أجرت صحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية التابعة لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية مؤخراً إحصائيات اقتصادية عن المساعدات المالية الأميركية ل"إسرائيل" على مدى 63 عاماً، وخلصت إلى نتيجة مفادها أن حجم المساعدات المالية الأميركية على مدى هذه الفترة تساوي 113 مليار دولار (تساوي في الزمن الحالي 234 مليار دولار)، إضافة إلى أكثر من 19 مليار دولار كضمانات مالية أميركية كي تنجح "إسرائيل" في تحصيل قروض في العالم. عوزي رابي في موقع إلكتروني إسرائيلي (21/3/2013) وصف زيارة أوباما بأنها "صحوة أميركية"، جدعون ليفي في صحيفة "هآرتس" (21/3/2013) وصف أوباما بـ "المسيح المخلص".

إبراهام بن تسفي كتب في صحيفة "إسرائيل هيوم" (21/3/2013) مقالة بعنوان: (إسرائيل) جزيرة استقرار.. قال فيها: كان كلام أوباما في أثناء المراسم في مطار بن جوريون يشبه توبة وإصلاحاً حينما وسع الحديث عن تراب الشعب اليهودي القديم وعن الجذور التاريخية العميقة للصلة بأرض الآباء. يأمل أوباما أن تجعل هذه الإستراتيجية الجديدة، (إسرائيل) أكثر ارتياحاً وسكوناً فيما يتعلق بالتزام أميركا: أن تواجه بكامل الحزم جملة الأخطار والتحديات الإقليمية التي تتعرض لها (إسرائيل)".

هناك فرق جوهري بين الكتاب الإسرائيليين والبعض من الكتاب العرب، المتفائلين في الموقف الأميركي من القضية الفلسطينية وعموم القضايا العربية، بينما الإسرائيليون يرون الواقع كما هو وعلى حقيقته. نقول ذلك لان موجة التفاؤل عادت إلى الأذهان لدى العديدين: من خطاب أوباما بمناسبة بداية ولايته الثانية، إذ بدأ الحديث عن تحرره من ضغوط اللوبي الصهيوني، وعن تناقضه مع نتنياهو، وعن إستراتيجية أميركية جديدة ونهج سياسي جديد تخطته الإدارة الأميركية فيما يتعلق بسياسة الولايات المتحدة إن بالنسبة للوطن العربي أو بالنسبة للقضايا الدولية.

ماذا أثبتت زيارة أوباما لإسرائيل؟
كشفت حقيقة عن تطابق السياستين الإسرائيلية والأميركية فيما يتعلق بالنسبة للمشروع النووي الإيراني، وفيما يتعلق بالموقف من سوريا. أوباما كان واضحاً في مؤتمره الصحفي مع نتنياهو عندما قال إن سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران هي في منعها من امتلاك السلاح النووي وليس احتوائه (والفرق كبير بين التعبيرين) وأن كل الخيارات مطروحة بما فيها الخيار العسكري. نعم هناك اختلاف في التقييمات بين السياسيين الإسرائيليين وبعض أمثالهم من الفلسطينيين والعرب. فأولئك يبتزون أي رئيس أميركي.

يقولون له نعم ولكنهم يطالبونه بالمزيد من الخطوات ولو عن طريق الابتزاز، فما يفعله الرئيس الأميركي دائماً "ليس كافياً" أما بعض سياسيينا فيراهنون على كل همسة من مسؤول أميركي، ويبنون أحلاماً وتوقعات غير حقيقية عليها الرئيس الفلسطيني قام بتأجيل طرح عضوية المراقب الدولة فلسطين في الجمعية العامة لما بعد الانتخابات الأميركية بطلب من أوباما، أملاً في كسب الموافقة الأميركية على الطلب الفلسطيني... ولكن خاب ظنه. كذلك قام بتأجيل إقامة حكومة مؤقتة وتحديد موعد انتخابات فلسطينية تشريعية ورئاسية وذلك وفقاً لاتفاق القاهرة الأخير مع حماس إلى ما بعد انتهاء زيارة أوباما!.

أوباما زار مناطق السلطة لبضع ساعات فقط (الزيارات جاء رفع عتب) ولم يزر ضريح عرفات، مع أنه زار ضريح هرتزل ورابين (شريك عرفات في اتفاقيات أوسلو) وزار المتحف اليهودي (بالرغم من سرقة مخطوطات فلسطينية هي الآن موجود فيه) وزار نصب (محرقة اليهود - إياد فاشيم) ولم ير التمييز العنصري ضد الفلسطينيين! ورفض استقبال عائلات أسرى فلسطينيين في السجون والمتعقلات الصهيونية. كلامه عن دولة فلسطينية كان حديثاً عاماً، وهو يدرك أنها لن تقوم! فلقد سبق لبوش الابن وكلينتون أن وعدا بإقامتها ولم تقم، وراهن الحالمون على وعودهما، تماماً مثلما يراهنون على وعود أوباما. ولكن الكل خَّب آمالهم وتوقعاتهم.

ملفات أخرى متعلفة