إقرأ المزيد <


استقوا "مصطلحاتها" من "رسوم الكرتون"..

صغارٌ تحدثوا "الفصحى" فصاروا مثارَ "سُخرية"!

غزة- صفاء عاشور
رغم سنوات عمره التي لم تتجاوز بعد عدد أصابع اليد الواحدة, إلا أنه يختلف بشده عن غيره من الأطفال الذين يشاركونه "العمر" و"مرح الطفولة".. فلسانه ينطق بما لا تنطق به ألسنتهم من عربيةٍ فُصحى نادراً ما تجد طفلاً يتحدث بها بذات الطريقة والاتقان –طوال الوقت-.. ولكن "هذه النعمة" كما اعتبرها والد الطفل "عمر" انقلبت نقمةً على طفله، ونفسيته.. ففي الوقت الذي كانت "لغته العربية" مثار إعجاب.. كانت كذلك مثار "سخرية"..

ويروي والد الطفل "عمر" أنه اصطحبه في يومٍ ما لزيارةٍ أقارب له، وتعجّبوا لأن "الفصحى" كانت لغته المنطوقة الوحيدة في ذلك المكان.. فتارةً ينادي (يا أبي.. أريد كوباً من العصير، أو هيا اركل الكرة يا زياد..)، فما كان منهم سوى أن "قهقهوا" ضاحكين.. الأمر الذي سبب له حرجاً كبيراً فاختار زاويةً وبكى فيها..

موقفٌ آخر يذكره أبو عمر، حيث سمع طفله في يومٍ يتشاجر مع ابنة عمه ذات الأعوام الثلاثة.. وبدأ يسرد لها خيالاته بالفصحى.. "لقد رأيت البارحة وحشاً كبيراً، ولقد ضربته بالشبشب".. وكان يقصد بالوحش "صرصوراً قابله على السلالم".. ثم لم يلبثا أن تشاجرا، وكانت هي المخطئة.. فطلب منها "الاعتذار".. وعندما قالت "آسفة"، قابلها بالقول :" لا بأس..لقد سامحتك"، الأمر الذي أثار ضحك الموجودين..

ويرجع والد "عمر" حالة ابنه إلى اندماجه "اللا معقول" بما تورده قنوات الأطفال من رسومٍ متحركة تحاكي خيالاتهم بلغةٍ عربيةٍ صرفة.. ورغم كل "الذرائع" في تعلم العربية بالنسبة للأطفال، تبقى المشكلة في صعوبة اندماج الطفل "المتحدث بها" مع جماعة أقرانه الموازين له في العمر والتفكير..


وليس "عمر" الطفل الوحيد، الذي وصل به حد التأثر بشخصيات الكرتون المحببة لديه، بأن يتقمص لغتهم وشخصيتهم، ليس ذلك وحسب.. بل وحياتهم أيضاً..
فـ "سعد مهنّا" وما أن انتهت حلقة المسلسل الكرتوني التي كان ينتظرها بلهفة، وقبل أن يغلق والده التلفزيون، ناداه قائلا:" أبي لا تغلقه الآن فأنا أتابع مسلسلا كرتونيا آخر على القناة، وسيكون الفاصل بين المسلسلين أغنية جميلة عن أحرف اللغة العربية".

بدهشةٍ نظر الوالد إلى ابنه، متعجباً من سر "اللغة العربية الفصحى" التي صار يتحدّثها –إلا قليلاً-، فهو وإن كان عَرَفَ من زوجته أن صغيرهما يقلّد أبطال المسلسلات الكرتونية التي يشاهدها، إلا أنه لم يتوقع أبداً أن يصل تقليده إلى حد اللغة.

ابتسم الأب بعد دقائق من السكوت، وأجاب ابنه بذات اللغة :"يا بُني إن عينيك بحاجة للراحة، ألا ترى أن المحقق كونان (وهو بطل مسلسل كرتوني) يرتدي نظارة؟.. هذا لأنه يشاهد التلفزيون أكثر من اللازم؟!"، رد سعد بتلقائية :" لا يا والدي إنه يرتدي النظارة حتى يُميّز نفسه عن غيره، إذ إنه كان كبيراً وهاجمه الأشرار ذات يوم وأعطوه دواءً جعله يبدو طفلاً (....).. " تابع الصغير روايته وسط ذهول الوالد من تمكن ابنه من لغته الفصحى.

وبعد انتهاء الجدل غادر سعد والده باحثا عن أخته الصغرى.. "وكان تقليده للبطل المذكور واضحاً".. بدأ يتسلل على أطراف أصابعه، وقد جعل من أصبعيه الإبهام والسبابة دائرة، ونظر من خلالها إلى المساحة المقابلة، ثم حدّث نفسه متسائلاً.. "إذا كانت مريم قد مرت من هنا، فلا بد من وجود بعض الطعام الذي تخلفه وراءها، وهي لأنها تزحف على أربع، فبالتأكيد ستكون الأرض بعدها أكثر نظافة".

راقب الأب ابنه بهدوء، وقبل أن يناديه ويقبله من جبينه ضاحكاً، وعد الله أن يطور مهارة سعد "في اللغة" وينميها، فهي "نعمة من الله مَنَّ عليه بها".


وفي سياقٍ متصل، أثبتت الدراسات والأبحاث أن المخ البشري يصل إلى أعلى مقومات النمو عند سن السادسة, ففي أول ست سنوات يستطيع الإنسان أن يتعلم حقائق ومعلومات ويختزنها في ذاكرته, وعند تقديم المعلومات المناسبة لعقل الطفل، يتحقق نموه بالرغم من التعقيدات الهائلة المرتبطة بعملية تعليم اللغة، فإن الطفل يستطيع التمكن من لغة واحدة أو أكثر عند سن الثالثة أو حتى أصغر.

وهذا ما أوضحه الأخصائي النفسي في برنامج غزة للصحة النفسية د.سمير زقوت أنه وكلما كان الطفل صغيراً كلما كانت عملية التعلم سهلة وأكثر تلقائية, وكلما كبر الطفل صعبت عملية تعلم اللهجة الصحيحة أو الحصول على مفردات إنشائية كتلك التي يتحدث بها متحدثو اللغة الأصليون.

فالطفل الذي يستمع إلى لغتين مختلفتين سوف ينشأ مستوعباً لكل منهما, وإنه لشيء غير شاذ أن ينشأ الطفل على ثلاث أو أربع لغات ويكون مستوعباً لها جميعاً, حيث أثبتت التجربة أن في استطاعة الأطفال التفريق بين اللغات.. وهذا يعني أن تعلم الطفل لغات مختلفة في مراحل مبكرة يوسع مدارك الطفل العقلية.


وأشار إلى أن متابعة الرسوم الكرتونية في سن صغيرة يشجع الطفل على تعلم اللغة العربية الفصحى التي ينطق بها, والتي تقدم إليه ولا يجدها في الغالب في محيطه الأسري, مما ييسر له تصحيح النطق وتقويم اللسان وتجويد اللغة, وبما أن اللغة هي الأداة الأولى للنمو المعرفي فيمكن القول بأن الرسوم المتحركة في هذا الجانب تسهم إسهاماً مقدّراً غير مباشر في نمو الطفل المعرفي.

ونوه إلى أن الطفل يتعلم من خلال التقليد, وأنه نتيجة للتطور العلمي ووجود التلفاز والإنترنت أصبحت الفرصة سانحة بشكل أكبر أمام الأطفال لتعلم اللغة الفصحى بالإضافة إلى اللغة الإنجليزية وأي لغة أخرى كما يريدون.

يمكن الاستفادة من هذه المسألة، من خلال توجيه الأطفال لمشاهدة مجموعة من البرامج والأفلام التربوية والتعليمية, ليتعلم منها الطفل اللغة العربية الفصحى أو أي لغة أخرى, بالإضافة إلى تعزيز النواحي الأخلاقية والتربوية.

وبالنسبة للحالة النفسية التي يمر بها الأطفال الذين يبدؤون بالتحدث بالعربية الفصحى في مجتمع تغلب عليه اللهجة المحلية, أكد د.زقوت أن الطفل أكثر مرونة وقدرة على التمسك بما يقتنع به من أفكار ومعتقدات من الكبار, وأنه سيحاول فرض طريقته في التحدث على الآخرين.

وأشار إلى أنه قد يتأثر البعض في حال تعرضهم للسخرية من أقرانهم أو المجتمع المحيط بهم, وهنا يأتي دور الأهل ورياض الأطفال والمدرسة كمؤسسات تربوية في تعزيز هذه القدرة عند الأطفال وتشجيعهم على تطويرها.

وشدد على أن رياض الأطفال والمدارس في حال اتبعت سياسة تعليم الأطفال للغة العربية الفصحى, فإن ذلك سيؤدى إلى نمو اللغة عند الطفل وتقويتها وبالتالي يصبح هناك جانب آخر هو الجانب المدرسي الذي يعزز هذه اللغة, رغم وجود أطرافٍ أخرى تتحدث العامية.


وفي هذا السياق, نذكر تجربة "الدنان" لإكساب الطفل اللغة العربية الفصحى بالفطرة, وصاحب هذه التجربة الرائدة هو الدكتور الفلسطيني عبد الله مصطفي الدنان المقيم في سوريا.. الأستاذ الدنان مُجاز في الأدب الإنجليزي من جامعة دمشق وحاصل على شهادتي الماجستير في التربية، والدكتوراة في اللغويات التطبيقية من جامعة لندن.

اقتناع الدنان بأن الفشل في تعليم العربية الفصيحة لا ينبع من صعوبتها بل من مناهج تدريسها, دفعه إلى تطبيق نظرية إكساب الطفل العربية الأدبية بالفطرة والممارسة، حيث تستند رؤيته في تعليم الطفل العربية الفصحى إلى الحقيقة العلمية القائلة إن للأطفال حتى سنّ السادسة قدرة فطرية ضخمة على اكتساب المهارات اللغوية.

وكان الدنان قد قام بهذه التجربة الرائدة على ابنه البكر “باسل” عندما كان ابن أربعة أشهر في بدايات العام 1978، أي مخاطبته بالعربية الفصيحة المشكولة أواخرُها أيضاً, في حين تحدثت الوالدة إليه بالعامية الدمشقية.

ولوحظ أن الابن بدأ بالاستجابة للكلام الفصيح فهماً عندما بلغ عمره عشرة أشهر, ولدى الوالد اثنا عشر شريطا مسجلاً يحفظ هذه التجربة, وفي سن الثالثة كان باسل قادراً على التواصل بالفصحى دون أخطاء.

ملفات أخرى متعلفة