نجاح نتنياهو - أوباما محدود في الزمان والمكان

محمد خليل مصلح
الأحد ١٠ ٠٣ / ٢٠١٣
تشكيل نتنياهو للحكومة الإسرائيلية، وزيارة أوباما، والعودة للمفاوضات السرية منها والعلنية، وتعطيل المصالحة؛ قضايا أو عناصر للمشهد السياسي المعقد والمركب في المنطقة.

نتنياهو يقترب من فكفكة العقد المركبة داخل الكيان الإسرائيلي التي نتجت عن الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، مع الأخذ في عين الاعتبار الوضع الإقليمي وانعكاساته السياسية والأمنية التي سببت تغيرات في البيئة الإستراتيجية لـ(إسرائيل) من جهة وللولايات المتحدة من جهة أخرى، وقد يكون من الصعب الغوص في جدلية هذا المركب من العناصر في هذا التحليل المحدود بمساحته في تلك الغابة من العناصر. هناك حديث يربط بين أهمية تشكيل الحكومة الإسرائيلية، وزيارة أوباما للمنطقة، وما تحمله تلك الزيارة من أهمية لجميع الأطراف، خاصة السلطة الفلسطينية وتشبثها بطريق المفاوضات، والخوف الشديد إلى حد الموت من تبعات المصالحة الفلسطينية -الفلسطينية، والحسابات المقلقة، حتى الطرف الإسرائيلي منها، خاصة أنها جزء من مطالب بعض الأحزاب الإسرائيلية للمشاركة في حكومة الائتلاف الإسرائيلية: حزب "الحركة" بقيادة ليفني و"هناك مستقبل"، والتلميحات التي تطلقها رئيسة حزب العمل يحيموفتش بأنها في حالة عدم مشاركة البيت اليهودي في الائتلاف قد تحتل مكانه، مع تشكيكها برغبة نتنياهو في العودة إلى المسيرة السياسية والالتزام بها.

المفاوضات الائتلافية تتقدم، إذ قال النائب الليكودي داني دانون: "المفاوضات الائتلافية شهدت تقدمًا ملحوظًا، ونأمل في أن تعرض الحكومة الجديدة الأسبوع القادم"، إذن نتنياهو يتقدم نحو تشكيل الحكومة قبل ثلاث أو أربع أيام من انتهاء المهلة الثانية الممنوحة له بحسب القانون الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه ولأول مرة في تاريخ الكيان تبقى الأحزاب الدينية (الحريديم) خارج الحكومة، نتنياهو يقامر ويرهن نفسه بالأحزاب العلمانية اليمينية، ويستسلم لإرادة لبيد وبينت، بغض النظر عن الخطورة من هذا التوجه الذي عكسه تصريح عضو (الكنيست) يسرائيل إيخلير رئيس كتلة (يهودات هتوراة) الذي أكد فيه أن حزبه سيواصل الدفاع عن الطبقات المحرومة والعاملين من على مقاعد المعارضة في (الكنيست)، والتصدي لما وصفه بحكم الأغنياء والظلم، وأن موقع الأحزاب المتدينة (الحريديم) صفوف المعارضة لمواجهة النظام اللاديني (العلماني) في (إسرائيل)، وتهديد آريه درعي عدم المشاركة في الحكومة في المستقبل إذا انسحب أحد الأحزاب تلك من الائتلاف.

الوضع الداخلي السياسي والاجتماعي للكيان يشهد توصيفًا خطيرًا للخلاف، إذ إن شرخًا اجتماعيًّا طبقيًّا إثنيًّا يتعزز في المجتمع الصهيوني.

رسائل متعددة
نتنياهو في حالة غزل لأوباما قبل زيارته، وسعي واضح لنيل ثقته ومساعدته في تجاوز ما يهدد الكيان الصهيوني من مخاطر إقليمية، بعد ما يثبت له من قدرة على تجاوز محنة تشكيل الحكومة، التي يرى فيها عناوين جيدة للمرحلة القادمة؛ ففيما يتعلق بالعودة للمفاوضات مع الفلسطينيين ليفني عنوان دبلوماسي جيد سيعيد لـ(إسرائيل) لغتها الدبلوماسية، وتعزيز موقفها السياسي والعلاقة مع الأوروبيين، وحشر أبي مازن في الزاوية، والحد من الضرر الذي تسبب به الاعتراف بفلسطين دولة غير عضو، وتقييد حركة السلطة في المحافل الدولية، وفي المقابل ستولي الإدارة الأمريكية الملف الإيراني الاهتمام المتناهي، وهذا ما أكدته زيارة بارك الحالية للولايات المتحدة، واجتماعه مع وزير الدفاع الأمريكي الجديد تشاك هاجل، والمساعدات العسكرية لن تتضرر بالمطلق، ثانيا تأكيد كل الخيارات بشأن للملف الإيراني النووي، وعدم السماح لها بحيازة السلاح النووي، وفي مقابل ذلك يلتزم أوباما بعدم طرح أي خطط جديدة (للسلام)، إذ صرح أنه لن يطرح خطة سلام جديدة خلال زيارته لأراضي الـ(48) هذا الشهر، لكنه أكد أن كلا الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني يتحملان المسؤولية عن قضية استئناف المفاوضات السلمية بينهما، على أن يُبقي نتنياهو زمام المبادرة بيد (إسرائيل)؛ حتى يحافظ على حزبه بالدرجة الأولى متماسكًا بالسيطرة على الجناح المتطرف في الحزب والمستوطنين أيضًا، وأوباما سيمارس ضغطًا على عباس للعودة إلى طاولة المفاوضات من جهة، وفي الوقت نفسه تجميد خطوات وجهود المصالحة مع حماس للضغط عليها، خاصة في ظل ما ينتابها من توجس على مستقبل سيطرة الإخوان المسلمين على النظام السياسي في مصر.

الخلاصة أن نتنياهو بإمكانه أن يعلن أنه الملك المنتصر من بين كل اللاعبين السياسيين في المنطقة، وإن شك بعض بالاستقرار لتلك الحكومة، وأن مدتها لن تتجاوز العامين؛ فإستراتيجية نتنياهو قائمة على أساس إدارة الأزمات بكسب الأيام بل الساعات؛ للبقاء في الحكم والإعلان أنه استطاع أن يوجه الاهتمام العالمي للملف الإيراني، ويهمش اللملف الفلسطيني ويلهي به مطالب شركاء الائتلاف من جهة، ويذل أبا مازن والطرف الفلسطيني، ويوقف هذا التدحرج للموقف الفلسطيني خارج السيطرة عليه، والقضاء على المصالحة الفلسطينية الداخلية من جهة أخرى، ولا نبالغ إن أشرنا إلى احتمال التوغل في الشأن المصري وتأجيج حالة العصيان ودعم المعارضة ضد الإخوان في مصر، وطرح ورقة حماس للمساومة عليها، ومع ذلك تبقى كل الاحتمالات قائمة بفشل تلك المخططات التآمرية في لحظة صحوة وانتباه الشعوب سواء الفلسطينية منها أم العربية بشكل عام، فالحكم على نجاح الثورات المضادة مازال مبكرًا جدًّا.

ملفات أخرى متعلفة