إقرأ المزيد <


زيارة أوباما وانتظار العاجزين

فايز رشيد
سبت ٠٩ ٠٣ / ٢٠١٣
يراهنون على الزيارة وكأنها ستصنع تاريخًا جديدًا للمنطقة! وكأنها ستفعل المعجزات في زمن لا يوجد فيه معجزات. وكأنها ستعيد الحقوق إلى أصحابها! وكأنها ستقيم الدنيا! وكأن من سيقوم بها سيجبر (إسرائيل) على اتخاذ ما لا تريده. كل القرارات والخطوات السياسية مؤجلة لما بعد الزيارة. رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قام بتأجيل موعد تشكيل الحكومة المؤقتة (مثلما جرى الاتفاق عليه في مباحثات المصالحة الأخيرة في القاهرة) وتأجيل موعد الانتخابات لما بعد إتمام الزيارة. بمجرد إعلان البيت الأبيض عن زيارة رسمية سيقوم بها الرئيس أوباما إلى الكيان الصهيوني ورام الله والأردن في20-21 مارس الحالي. قفز منسوب التفاؤل لدى الكثيرين من السياسيين والمراقبين والمحللين: بأن الرئيس الأمريكي سيحمل مشروعاً جديداً للتسوية بين الفلسطينيين و(إسرائيل)!

هذه الزيارة هي الأولى لأوباما في بداية ولايته الثانية، وهي الأولى أيضاً التي يقوم بها إلى الدولة الصهيونية، وتأتي بعد تعيين جون كيري وزيراً للخارجية. وإثر زوبعة أثارتها (إسرائيل) على اختيار أوباما لتشاك هاغل وزيراً للدفاع (وقد جرى تثبيته مؤخرا من قبل الكونغرس)، وتأتي مسبوقة بنتائج الانتخابات التي جرت في كل من واشنطن وتل أبيب وتداعياتها وبخاصة في الأخيرة. قبيل الزيارة أيضاً: ظهرت تحليلات سياسية كثيرة توحي مباشرة أو بطريق غير مباشر عمّا يسمى بـ "تناقضات بين نتنياهو وأوباما" بسبب أن الأول كان من أكبر مشجعي مرشح الحزب الجمهوري ميت رومني، الذي كان قد أعلن من قبل: أنه إذا ما فاز في الانتخابات فإن زيارته الأولى ستكون إلى (إسرائيل). هذه المسألة من وجهة نظر كثيرين: أسست لذلك التناقض.

بدايةً، فإن ما يبدو أنه اختلافات جوهرية بين الرئيس الأمريكي ونتنياهو هو محض وهم، قد تكون هناك تباينات بين الطرفين، لكن لا يمكنها الوصول إلى حدود التناقض. القادة الإسرائيليون يحسنون ابتزاز كل من مرشحْي الحزبين: الجمهوري والديمقراطي، ويعلنون تأييدهم الأكبر لأحدهما، وبذلك يضمنون ولاءه للدولة الصهيونية.

وإذا لم يفز، فإن هاجس الثاني يكون: إثبات ولائه لهذه الدولة. هذا ما حصل بالنسبة لرومني وأوباما. أيضاً: فعندما يجري تعيين من عليه ملاحظات من (إسرائيل) في منصب مهم في إدارة الفائز، تطلق عليه اتهامات مكشوفة قاسية، حتى يكون هدفه الأكبر: الوصول إلى الرضا الإسرائيلي، هذا ما حصل بالنسبة لتشاك هاغال، الذي يؤكد في كل تصريح له عن (عشقه) لـ(إسرائيل). التهم الإسرائيلية للمسؤولين في الدول الحليفة تكون دائماً جاهزة ومنها "العداء للسامية" وتشكل تهديداً دائماً لهم.

من ناحية أخرى: فإن المقرر الأساس للسياسات الإستراتيجية الأمريكية (خاصة بالنسبة لـ"إسرائيل") هو: المجمع الصناعي العسكري المالي، بالتعاون مع الإيباك (فيما يخص دولة الكيان). أما الرئيس الأمريكي فهو الواجهة لتنفيذ هذه السياسات. نقول ذلك في الوقت الذي تخلى فيه أوباما عمّا قطعه على نفسه من وعود في خطابيه في كل من أنقره والقاهرة: عن عزم إدارته التعامل بأسس جديدة مع العالمين العربي والإسلامي، وعاد إلى السياسة الصقورية.

لقد تخلى عن كل اشتراطاته بالنسبة لإعادة التفاوض بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني. وبات يردد المفهوم الصهيوني للتسوية: باعتبار الاستيطان لا يشكل عقبة أمام العودة إلى المفاوضات. تراجع أوباما عن تواريخه بإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، وتبنى مجمل المواقف الإسرائيلية بالنسبة لكافة القضايا المطروحة على طاولة التسوية، واعترفت أمريكا "بيهودية (إسرائيل)".

أما على صعيد التفاؤل بربط الزيارة من أجل تحقيق التسوية، فقد حرص البيت الأبيض على الإسراع في كبح جماح هذه التطلعات من خلال القول: "إن الزيارة فرصة لتنسيق مواقف أمريكا و(إسرائيل) بشأن الملفات ذات الاهتمام المشترك". هذا ما أكده بروس جنتلسون البروفيسور من جامعة ديوك والمسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية من خلال القول: "إن الرحلات الرئاسية لا تصلح سوى لملء الفراغ، فإذا نظرتم إلى الرحلات التي قام بها الرئيس أوباما إلى الصين أثناء ولايته الأولى على سبيل المثال، فإن المسألة لا تتعدى تحسين العلاقات". هذا أولاً. ثانياً: فإن الأولوية الكبرى لنتنياهو المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة في دولة الكيان هي: كبح جماح المشروع النووي الإيراني، هذا ما أعلنه مراراً وتكراراً.

وآخر مرة كانت: تصريحه عند مغادرة شيمون بيريز رئيس الدولة، بُعيد تكليفه بتشكيل الحكومة، بالتالي: لا تشكل التسوية هاجسا لنتنياهو، هذا بالرغم مما جاء على لسانه في مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى الذي انعقد مؤخرا في تل أبيب "من أنه لا يزال يؤمن بحل الدولتين"، بالمعنى العملي: من خلال الاستيطان ومصادرة الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية انعدمت فرصة هذا الحل.

إمعاناً في التحدي وبُعيد الإعلان عن زيارة أوباما صادقت الحكومة الإسرائيلية على بناء 90 وحدة استيطانية في الضفة الغربية. الإسرائيليون يراهنون على تحديد إستراتيجية أمريكية – إسرائيلية مشتركة تجاه قضايا المنطقة. هذا ما يطالب به الإسرائيليون من الزيارة وليس التعلق بحبال من هواء والمراهنة (مثل البعض) على أنه سيكون وسيطًا نزيهًا في الصراع الفلسطيني العربي – الصهيوني!

لكل ذلك، فإن أهداف زيارة أوباما تتمثل في:
أولاً: التأكيد على عمق العلاقات الإستراتيجية بين الولايات المتحدة و(إسرائيل). وعلى رسالة الضمانات الأمريكية لـ(إسرائيل) (التي قدمت للأخيرة في عام 2004) والتي تؤكد في إحدى نقاطها: على التزام الولايات المتحدة وتعهدها بعدم إجبار (إسرائيل) على اتخاذ ما لا تريد فعله من خطوات.

ثانياً: التزام الولايات المتحدة الكامل بالأمن والوجود الإسرائيلي وفقما تقرره (إسرائيل).

ثالثا: الرد على الأقوال والمغالطات التي تحدثت عن تناقضات بين أوباما ونتنياهو. وتوجيه رسالة للكونغرس الأمريكي ولـ(إسرائيل): بأن إدارة أوباما هي الأخلص بالنسبة لـ(إسرائيل).

رابعاً: تنسيق المواقف فيما يتعلق بالمشروع النووي الإيراني وقضايا التسوية.

خامساً: ممارسة المزيد من الضغط على الجانب الفلسطيني بالعودة إلى المفاوضات مع (إسرائيل) دون شروط مسبقة. والاقتراب من المواقف الإسرائيلية للتسوية وعدم إنجاز المصالحة. من أجل ذلك وعد الكونغرس الأمريكي بقرب استئناف المنحة الأمريكية للسلطة بعد إيقافها.

سادساً: ممارسة الضغط على الأردن لتحمل عبء المسؤولية بقبول فكرة الكونفيدرالية مع الأراضي الفلسطينية.

سابعاً: الاستمرار في ممارسة الخداع الأمريكي للعرب: بأن الولايات المتحدة مع نشر الديمقراطية في العالم العربي.

أهداف زيارة أوباما إلى المنطقة هي غير التي يراهن عليها بعض المتفائلين. وتحميلها ما هي غير قادرة عليه هو دليل عجز عن الفعل والتأثير في أحداث المنطقة وبخاصة: الصراع مع العدو الصهيوني.

ملفات أخرى متعلفة