إقرأ المزيد <


باريس .. وسرقة مخطوطات التاريخ الإسلامي من مالي

غسان الشامي
إثنين ١٨ ٠٢ / ٢٠١٣
الحرب الفرنسية المستعرة على دولة مالي ذات الأكثرية السكانية المسلمة لها أبعاد ودلالات كثيرة، فقد كانت مالي مستعمرة فرنسية منذ عام 1904م و سميت بالسودان الفرنسية و استقلت عن الاحتلال الفرنسي في 22 سبتمبر 1960م .. واليوم عادت فرنسا من جديد لتحقيق أحلامها القديمة وبطولتها الفاشلة ولحماية مصالحها الإستراتيجية والاقتصادية في القارة الإفريقية حيث فاجأ الرئيس الفرنسي فرنسوا هولند شعبه وجيشه البائس عندما دعا إلى التوجه بسرعة إلى مالي للتصدي لما يسميه الجماعات الإسلامية " الإرهابية " وخشيته من أن تسيطر على مالي، وتعاطفه الكبير مع الحكومة المالية التي طلبت المساعدة من الفرنسيين ضد الجماعات الإرهابية .

والحملة الفرنسية التي ينفذها أكثر من 4000 جندي فرنسي مجهزين بعتادهم العسكري فضلا عن الدعم الأمريكي والأوروبي تحمل أبعادا ودلالات كثيرة بحسب المراقبين ومراكز الأبحاث الإستراتيجية فهي ليست كما أعلنه الرئيس الفرنسي هولند تهدف إلى تقديم المساعدة للحكومة المالية وصد هجمات الجماعات الإرهابية، بل إن الأهداف استراتيجية وعميقة منها اقتصادية مالية تتمثل فيما تمتلكه مالي من ثروات معدنية كثيرة ووفيرة وتحصل عليها فرنسا بأسعار زهيدة، حيث تنتج منطقة شمال مالي مادة اليورنيوم كما أن مالي الواقعة غرب القارة الإفريقية تمثل أول مصدر للقطن في القارة السوداء، كما أنها ثالث دولة، بعد غانا وجنوب إفريقيا، في تصدير الذهب، حيث يبلغ حجم التصدير 52 طنا سنويا، كما يخشى الفرنسيون على مصالحهم المالية والاقتصادية في عدد من الدول الإفريقية المجاورة لمالي كما يسعى الفرنسيون إلى استعادة نفوذها على الخارطة الدولية، كما أن هناك مصالح استراتيجية للولايات المتحدة الامريكية في مالي لاسيما أنها تعتبر معبرا لنقل الغاز والبترول إلى أوروبا ..

على الجانب الآخر تخلل أيام الحرب الفرنسية المستعرة على مالي تدمير مدينة تمبكتو شمال مالي بحجة تحريرها من الجماعات الإرهابية، لكن الأهداف هنا كانت مغايرة حيث تم نقل المئات من مخطوطات التاريخ الإسلامي إلى متاحف باريس ، وهذا دأب الاحتلال، فقد دمر المغول بقيادة هولاكو خلال سقوط بغداد عام 656 هـ / 1258م مكتبة بغداد العظيمة التي كانت آنذاك أعظم مكتبة على وجه الأرض فقد احتوت على أفكار علماء المسلمين منذ أكثر من ستمائة عام واشتملت المكتبة العظيمة في جنباتها على مختلف العلوم والآداب والفنون.. من علوم شرعية كتفسير القرآن والحديث والفقه والعقيدة والأخلاق ومن العلوم الحياتية كالطب والفلك والهندسة والكيمياء والفيزياء والجغرافيا وعلوم الأرض، ومن علوم إنسانية كالسياسة والاقتصاد والاجتماع والأدب والتاريخ والفلسفة وغير ذلك.. هذا كله بالإضافة إلى ملايين الأبيات من الشعر، وعشرات الآلاف من القصص والنثر.. و أضف إلى كل ما سبق الترجمات المختلفة لكل العلوم، الأجنبية سواء اليونانية أو الفارسية أو الهندية غيرها، وقد فقدت الحضارة الإنسانية في حرق مكتبة بغداد ملايين الكتب والمخطوطات والترجمات وأثرت على تطور البشرية بشكل كبير، وليس فقط مكتبة بغداد التي تعرضت للحرق والتدمير عندما احتل المغول بغداد، وقد سبق تدمير مكتبة بغداد تدمير وحرق مكتبة قرطبة العظيمة في الأندلس سنة 636هــ على يد نصارى الأندلس وقام بذلك أحد قساوسة النصارى بنفسه.. وكان اسمه "كمبيس"، وحرق كل ما وقعت عليه يده من كتب بذلت فيها آلاف الأعمار وآلاف الأوقات، وأنفق في سبيل كتابتها الكثير من المال والعرق والجهد.. وتتكرر مأساة حرق المكتبات اليوم في الحرب الفرنسية على مالي، فقد دمرت القوات الفرنسية الغازية مدينة تمبكتو عاصمة الثقافة الإسلامية التي تبعد مسافة 900 كلم شمال شرق باماكو، عاصمة مالي، والتي تحتوي على الكثير من المعاهد و المراكز الثقافية أهمها معهد أحمد بابا التمبكتي الذي يضم آلاف المخطوطات من نفائس الثقافة العربية و الإسلامية مثل القاموس المحيط و كتب للرحالة ابن بطوطة ولا يقتصر وجود المخطوطات على معهد احمد بابا فقط فهناك أكثر من ثلاث عشرة مكتبة أهلية تضم عددا مماثلا من المخطوطات أهمها مكتبة حيدرة وكل ذلك جعل من تمبكتو مستودعا للعلم والأسرار و المخطوطات و الوثائق.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن مخطوطات مدينة تمبكتو تؤكد على أن المدينة كانت عاصمة ثقافية وروحية للإسلام في أفريقيا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، فيما أكدت وزارة الثقافة المالية أن هناك مخطوطات قديمة جدا تحفظ في معهد أحمد بابا للدراسات العليا والأبحاث الإسلامية ويبلغ عددها ما بين 60 الفا إلى 100 ألف مخطوطة .

وتعد مدينة تمبكتو من أغنى المدن التجارية في افريقيا و هي مركزا للتعليم الإسلامي و نظرا لأن أكثر المخطوطات الموجودة هناك و التي تصل إلى 700 ألف مخطوطة مكتوبة باللغة العربية أو لغات محلية كتبت بالحروف العربية فهي لم تحظ باهتمام الماليين كما جعل الاحتلال الفرنسي هدفه الأساسي تجهيل أهل مالي باللغة العربية وتركيز اهتمامه على إجادة اللغة الفرنسية حيث أصبح اكثر سكان مالي يتحدثون اللغة الفرنسية مما أدى إلى عدم الاهتمام بهذه الذخائر النفسية والمخطوطات التي تحمل تاريخنا وتراثنا الإسلامي وحضارتنا الخالدة، فقد كان من أهداف الاحتلال الفرنسي لمالي في أوائل القرن الماضي العمل على تجهيل الشعب المالي وإفقاره من خلال نهب ثرواته وخيرات بلاده الوفيرة و جعل أهلها لا يجيدون العربية مما أدى إلى تجاهل المخطوطات من قبل الشريحة المتعلمة في البلاد.

كما روجت فرنسا أن الإسلاميين في مالي قاموا بإحراق المخطوطات وتدمير المكتبات وهذا ما نفته صحيفة لوس انجلز تايمز الأمريكية عندما تحدثت للمشرفين على مكتبات المخطوطات في تمبكتو وأكدت أن المخطوطات سليمة ونفت أنباء عن حرق المخطوطات وقد قام العاملون بنقل المخطوطات إلى مكان آخر، فيما أكدت مصادر إعلامية أن عددا كبيرا من المخطوطات نقله متخصصون في التاريخ والآثار إلى متاحف فرنسا .. وأمام الحدث الجلل في احتلال فرنسا لدولة مالي صاحبة الأكثرية الإسلامية في السكان ونهب ثرواتها المعدنية والنفطية ومركزها التجاري وسط القارة السوداء، مَن يحمي التاريخ والتراث الإسلامي العريق من سرقة الفرنسيين له .؟!
إلى الملتقى ،،

ملفات أخرى متعلفة