وظيفة الفن في فلسطين.. بطالة دون مقابل

أشرف مقداس
الأحد ١٧ ٠٢ / ٢٠١٣
لما عدت إلى التاريخ القديم والحديث لأرى كيف كان حال أصحاب الفن الرفيع، وكيف كانت ظروفهم المادية؛ وجدتُ شعارًا أطلقوا عليه "الفنانون الجياع"، وقد اختلفت فيه المدارس: المدرسة الأولى كان أصحابها يعدون هذا الجوع وضيق العيش الذي يعانونه إنما هو الضريبة التي ينبغي أن يدفعوها من أجل الحفاظ على فنونهم وإبداعاتهم؛ فهم يعيشون هذه الحياة إما اختيارًا، أو لأنهم ينفقون كل ما يملكون لتطوير مهاراتهم ومشاريعهم الفنية.

أما المدرسة الثانية فهي غاية في الغرابة، فهم يعدون هذا الفقر جزءًا من "الرومانسية"، التي تجلب أنظار الناس إليهم، ويرون أن الفن عندما يخرج من شخص فقير إنما يكون أكثر إبداعًا وتألقًا، وروح الفن تأخذهم نحو الصدارة كما كان حال العباقرة القدماء.

ومدرسة ثالثة ترى ضرورة العمل بوظيفة مؤقتة إن وجدت، كخادم في مطعم أو عامل في ورشة، وفي الوقت نفسه ينفقون ما جمعوا من أجل صناعة اسمهم وشهرتهم، فإن أصابوا أصبحوا نجومًا، وإن أخفقوا فإنهم قد يندبوا حظهم حتى يودعوا الدنيا.

أعتذر لكم أصدقائي؛ لأنني أطرق هذه الحقيقة المرّة لواقع جيش من الفنانين العاطلين عن العمل، الذين يبحثون عن لقمة عيش تسد رمقهم، وبيت يحفظ لهم كرامتهم ويستر عورتهم، ويريحهم من همّ أجرة المنزل التي تطاردهم وتطرق بابهم مطلع كل شهر.

هذه حقيقة مؤلمة لأناس يمتلكون مواهب وخبرات فنية تؤهلهم للحياة الكريمة، غير أن الواقع الأليم الذي يعيشه شعبنا الفلسطيني على الصعيد الاجتماعي أضافهم بلا رحمة أو هوادة إلى صفوف العاطلين عن العمل، والبطالة التي لا تجد من يؤمّن لها سبل العيش الشريف، حتى البطالة فقد أصبحت اسمًا يرتبط براتب متواضع يحصل عليه العامل مدة زمنية محددة ثم ينقضي، إلا أنّها عند الفنان "تُفرمل" لتصبح بطالة دون مقابل، إلا من الندر اليسير الذي قد يجبر الفنان على الالتحاق "بجسم فني" قد يأخذ شكل فرقة أو جمعية خيرية أو مؤسسة أهلية أو شركة إنتاج (...) إلخ، وعندما يصل إلى هذه الخطوة "الهائلة" من وجهة نظره يفاجأ بأن دوره هو دور جزئي، فقد يتم التعامل معه بنظام "القطعة"، أو في أحسن الأحوال يحصل على "مبلغ مقطوع" يغطي تكاليف أجرة الطريق وشطيرة "فلافل" أو "حمص"، ويبقى الهمّ يلاحقه، كيف له أن يعيش مثل باقي البشر، وهو يمتلك تلك الموهبة، ولديه كل المقومات التي تؤهلنه لمنافسة كبار الفنانين الذين يعيشون حياة رغيدة.

نحن الفنانين لا نرتكب جرمًا عندما نطالب بحياة كريمة، لكننا في الوقت نفسه لا ينبغي أن ننسى أنّ الفن رسالة، ومن كان لسان حاله أن هذه الرسالة لا تطعم خبزًا فليراجع هدفه في الحياة، وليفكّر هل يريد أن يضيف لصحيفة عمله عند لقاء ربه خيرًا أم يصبح نجمًا لامعًا دون أن يعيش المرارة ويخوض الصعاب!، فيا أيها الفنان الفلسطيني، إما أن تختار لنفسك هذه الطريق وتتحمّل تبعاتها، أو أن تختار لنفسك هدفًا آخر تخدم به دينك ووطنك وتخدم به نفسك.

ملفات أخرى متعلفة