إقرأ المزيد <


عن سامر العيساوي والأسرى وحرب الأمعاء الخاوية

ياسر الزعاترة
سبت ١٦ ٠٢ / ٢٠١٣
مرت أكثر من سبعة أشهر وسامر العيساوي يخوض إضرابه المفتوح عن الطعام من أجل الإفراج عنه، ومعه أيمن الشراونة وآخرون، لكن الاحتلال لا يزال مصرًا على العناد، فيما يبدو أنها محاولة لكسر إرادتهم، ومن ورائهم جحافل الأسرى الذين توالت إضراباتهم الفردية والجماعية على نحو أثار قلق الصهاينة، لاسيما بعد الإضراب الكبير الذي خاضه معظمهم وانتهى قبل 9 أشهر، بعد انتزاع جملة من التنازلات من الاحتلال، أهمها إنهاء حالة العزل الانفرادي لكبار الأسرى، وإن أخذ _كعادته_ ينكث العهود بالتراجع عن بنود الاتفاق، وفي مقدمتها وقف التمديد للمعتقلين الإداريين، وهو السيف الذي يسلطه الاحتلال على رقاب المناضلين والنشطاء الفلسطينيين منذ عقود (الاعتقال الإداري يعني الاعتقال التحفظي أو الاعتقال دون تهمة محددة؛ لمجرد خطر ما يشكله المعتقل على أمن الاحتلال ومصالحه).

أكثر من 7 أشهر وسامر العيساوي يخوض إضرابه عن الطعام، وكذلك أيمن الشراونة، ومن ورائهم بضعة أسرى بمدد أقل من ذلك، والاحتلال يستخدم قدراته الطبية المتميزة (قدرات لا تظهر مع الأسرى إلا في هذه الحالات، فهم يُتركون نهب الإهمال والموت في الحالات الأخرى)، يستخدمها في الحيلولة دون موت سامر، ذلك الذي لم يتبقّ من وزنه سوى 45 كيلو غرام لا أكثر.

يحدث ذلك بعدما تمكن عدد من الأسرى من خلال معركة الأمعاء الخاوية من تحرير أنفسهم، ابتداءً بالبطل خضر عدنان، وانتهاء بأكرم الريخاوي الذي خرج مؤخرًا، لكن ما تنبغي الإشارة إليه هنا هو أن جميع الذين حصلوا على الإفراج بعد الإضراب عن الطعام هم من الذين ظلمتهم قوانين الاحتلال، وليس أولئك الذين يرى أنه قد أنصفهم، وهو فرق كبير، بمعنى أن الذين أفرج عنهم لم يكونوا إلا من المعتقلين الإداريين الذين جرى التمديد لهم دون سبب، أو ممن ظلموا في تطبيق القوانين، كما هو حال الريخاوي (من أبناء القطاع) _مثلًا_ الذي رفض المحتلون التعامل معه بقانون ثلثي المدة، رغم ما يعانيه من أمراض، فخاض إضرابًا طويلًا عن الطعام أفضى إلى الإفراج عنه، فقط قبل شهور من نهاية مدته بعد 8 سنوات من الاعتقال.

لا يتسامح الاحتلال مع حالات المحكوم عليهم، لاسيما الخطرين منهم، ولو خاض أصحاب المؤبدات _مثلًا_ إضرابًا عن الطعام لما استجاب لهم الاحتلال، ولو أبقاهم قيد العناية الطبية سنوات (ربما باستثناء من يتضح له أنهم على وشك الموت لأسباب طبية واضحة)، وهنا يتذرع الاحتلال بقوانينه التقليدية، لكن الموقف يمكن أن يتغير لو شعر الاحتلال أن قضية الأسرى يمكن أن تفجر انتفاضة جديدة تحرمه الأمن الذي تمتع به سنوات، كما لم يتمتع به في تاريخه كله، وتشكل محطة تحرير تلتحم بربيع العرب.

في أي حال، إن مسألة الأسرى وأسلوب معاملتهم تبدو جزءًا لا يتجزأ من الوجع الفلسطيني، بل لعلها الجرح الأكثر إيلامًا حتى من الشهداء أنفسهم، وقد ثبت أنه من دون صراع مرير مع الاحتلال لن يكون هناك إفراج عنهم، بدليل تجربتي التحرير الشهيرتين: (الأولى للقيادة العامة مطلع الثمانينيات، والثانية لحماس قبل عامين)، أما الأهم فيتمثل في أن الأسرى لن يكونوا سعداء بالإفراج عنهم مقابل التنازل عن القضية التي من أجلها ناضلوا وسجنوا، وهم يكونون أكثر قوة وحيوية حين تشتعل المقاومة التي تبشرهم بالانتصار، بدل حالة الاستجداء التي لا تبشرهم بسوى تضييع قضيتهم الكبرى.

لقد أراد المحتلون من خلال سياسات التعامل مع المعتقلين أن يجعلوا الأسر محطة لكسر إرادة الفلسطيني، لكن الأبطال تمكنوا من إفشال مخططه عبر تحويل السجون إلى محطات نضالية، ومحطات علمية أيضًا، من دون أن يقلل ذلك من معاناتهم ومعاناة أسرهم وعائلاتهم التي يقدرها سائر أبناء الشعب والأمة.

يوميًّا يسعى المحتل من خلال سوء المعاملة والإجراءات الفاشية اليومية: تفتيش ودهم للغرف والزنازين والأقسام إلى كسر إرادة الأسرى، لكنهم يتمردون، ويصل الحال بأربعة منهم (من أصحاب الأحكام العالية) أن يهرّبوا نطفًا لزوجاتهم كي يحملن منهم، وذلك بعد أن نجح الأسير القسامي البطل عمار الزبن (26 مؤبدًا) في تهريب نطفة منه؛ لتحمل زوجته وتنجب قبل 6 أشهر طفلًا جميلًا صار الأشهر في فلسطين، واسمه مهند.

باسم شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والإسلامية يخوض أسرانا معركتهم اليومية مع القتلة؛ سبقهم وسار معهم جحافل من أروع الشهداء، ولن يتمكن الاحتلال من كسر إرادتهم، تمامًا كما سيعجز عن كسر إرادة الفلسطيني التي يُراد لها أن تيأس وتقبل بالحلول المشوهة، وقبل ذلك أن تقبل التعاون مع الاحتلال تحت مسمى التنسيق الأمني، وذلك في انتظار تنازلات يعلن المحتلون ليل نهار أنها لن تأتي أبدًا.

أول أمس كانت جمعة "كسر الصمت" دفاعًا عن الأسرى المضربين عن الطعام، وقد أبلى فيها أبناء شعبنا بلاءً حسنًا، ولو قيد التنسيق الأمني لكان المشهد أكثر قوة، ثم أكثر قدرة على إثارة رعب الصهاينة.

ملفات أخرى متعلفة