إقرأ المزيد <


أوباما والوحدة الوطنية الفلسطينية

عبد اللطيف مهنا
إثنين ١١ ٠٢ / ٢٠١٣
في السنوات التي تلت الحقبة البوشية، ومن قبلها، بذلت الولايات المتحدة الأميركية جهودًا تعددت وسائلها ووجوهها، ورصدت لها الأموال الطائلة في سبيل هدفٍ مازالت تسعى إليه، وتحرِّك له آلتها الدعائية الهائلة، وهو تحسين صورتها القبيحة في العالم، والعربي والإسلامي تحديدًا.

كان تغيير لون بشرتها لا سياساتها بإدخالها أوباما إلى البيت الأبيض محاولةً من جانب المؤسسة لستر بعضٍ مما علق بهذا الوجه من شائبةٍ بوشيةٍ وصمته، مضافةً إلى شوائبه السالفة المزمن.

استهل الوجه المختار بدء ولايته الرئاسية بوعودٍ من عسلٍ ولبنٍ يزمع سكبها في طبق السياسات الخارجية لبلاده، لاسيما المتعلقة منها بالمنطقة العربية وجوارها الإسلامي، كان أبرزها ما دلقته فصاحته الخطابية في كلٍّ من إسطنبول والقاهرة، اللتين بدى فيهما حينها لأعين الواهمين ومطيلي التصفيق له أخانا الحاج بركة أبو عمامة، بيد أن الأيام اللاحقة سرعان ما تكشَّفت عن أن طبع المؤسسة غلب تطبُّع من اختارته لتغليف جوهرها، وزادت به لاحقًا من قبح مكنونه قبحًا.

على سبيل المثال: قضى الرجل ولايته الرئاسية الأولى أكثر رئيسٍ عرفته الولايات المتحدة كرمًا مع "إسرائيلها"، وهي التي تكللت _يا للمفارقة_ في أيامها الأولى بجائزة نوبل للسلام، بأن أحلت حمم طائراته التي دون طيار في الباكستان واليمن ومذابح الأعراس في بلاد الأفغان اللعنات لا الترحُّم على صاحب الجائزة في قبره، ومانحيها له على السواء، وماذا عن ولايته الرئاسية الثانية البادئة للتو؟!

في بداية أية ولايةٍ رئاسيةٍ ثانيةٍ لأي رئيس أميركي، اعتدنا سماع من يكرر اللازمة إياها بأنه سيكون متحررًا من حساباته الانتخابية، وبالتالي سيكون الأقل عرضةً للضغوط الصهيونية؛ فالأقل انحيازًا للكيان الصهيوني، واتخذ المروجون لها والواهمون التعيينات المصاحبة للإدارة الأوبامية المتجددة، كاستبدال (السيناتور) كيري بهيلاري كلنتون في وزارة الخارجية، وتعيين (السيناتور) هاجل في البنتاغون خلفًا للوزير بانيتا، المشاع أنهما أقل "تصهينًا" من سلفيهما، والتسريب المقصود لانتقادات أوباما لسياسات نتنياهو قبيل انتخابات (الكنيست)، وقبله وقوف نتنياهو إلى جانب منافس أوباما الانتخابي رومني، والحديث عن احتمالاتٍ لمفاوضاتٍ ثنائيةٍ مع إيران، والتغيير الذي فرضته بدايات تراجع النفوذ الكوني للإمبراطورية المتخبطة في أزماتها الاقتصادية في إسترتيجيتها العسكرية، أو إبدالها بالقوة الفاجرة القوة الناعمة، المدعومة بالوكلاء المحليين، والجراحات التآمرية الاستخباراتية، التي للأميركان باعهم الطويل فيها، بعد فشل الأولى في العراق وأفغانستان، حتى في الصومال (...)؛ اتخذوا كل هذا _إلى جانب تأخر أوباما في تهنئة نتنياهو بفوزه في انتخابات (الكنيست) أسبوعًا_ مادةً لإعادة إنتاج ذات اللازمة الموهمة والتبشير بجديدٍ "أوبامي" عربي يجبّ ما قبله.

الوزيران كيرى وهاجل لدى أول مثولٍ لهما أمام لجنتي (الكونجرس) المختصتين بتثبيتهما في منصبيهما سارعا إلى نفي التهمة الملصقة بهما (وردت في الأعلى)، فماذا عن سيد البيت الأبيض العائد له في ولايته الرئاسية ثانيةً في بلدٍ يربطه بالكيان ليست وشيجة إستراتيجية وعروة من مصلحة فحسب، وإنما علائق ذات طبيعة شبه عضوية، والتزام تاريخي بدعمه غدا بمنزلة (تابو)، وبغض النظر عن تبدل إداراته ومسميات من يؤتى به إلى البيت الأبيض؟!

بث في واشنطن خبر صادر عن البيت الأبيض مفاده أن أوباما سوف يحل في فلسطين المحتلة زائرًا للكيان الصهيوني في الربيع القادم، أما الهدف الذي يدفعه للقيام بهذه الزيارة فهو ما أوضحه نص التصريح الرسمي باسم الإدارة على الوجه التالي:

"إن بداية ولاية الرئيس الثانية وتشكيل حكومةٍ (إسرائيليةٍ) جديدةٍ يوفران الفرصة لتجديد تأكيد العلاقات العميقة والدائمة بين الولايات المتحدة و(إسرائيل)، وبحث المسار الواجب اتباعه بخصوص مواضيع كثيرة ذات اهتمام مشترك، بينها إيران وسوريا".

المتحدث باسم ديوان نتنياهو حدد موعد هذه الزيارة بالعشرين من الشهر القادم، قائلًا: "إنها ستوفر فرصةً هامةً لنا لتأكيد الصداقة والشراكة القوية بين (إسرائيل) والولايات المتحدة"، وإذ ستتم على هامشها اثنتان أخريان: واحدة إلى رام الله والثانية إلى عمان، وسيتبعهما جولة على دول أخرى في المنطقة؛ قد نُسب إلى شخصيةٍ وصفت بـ"الفلسطينية الرفيعة المستوى" في سلطة رام الله قولها: "إن هذا الموعد هو مطلع الشهر القادم، وإنها تلي زيارة لوزير الخارجية الأميركي الجديد منتصف الشهر الجاري ..."، لكن المهم فيما قاله هذا "الرفيع المستوى" هو ما أضافه معقبًا: "ونأمل أن تسمح "الزيارة الأوبامية" بتحريك المفاوضات"!

زيارة أوباما _بغض النظر عن كل ما تقدم، وانسجامًا مع اللازمة الانتخابية الأميركية المشار إليها بدايةً_ من شأنها أن تبعث الأوهام التسووية التصفوية التي غفت من رقادها، يبدو هذا من ما يأمله "رفيع المستوى" في السلطة، وما يأمله يطرح تساؤلًا سهَّل ما قاله الإجابة عنه: على الرغم من توالي وتعدد لقاءات التكاذب حولها، وانهمار بشائر بياناتها وتأكيدات تصريحاتها، هل ستؤجل ما تعرف بالمصالحة الوطنية الفلسطينية العتيدة من جديدٍ، ويسحب حديث تكاذبها من التداول؟!

ملفات أخرى متعلفة