إقرأ المزيد <


(إسرائيل) و"الربيع العربي".. الثمن الاجتماعي

صالح النعامي
إثنين ٢١ ٠١ / ٢٠١٣
لقد بات في حكم المؤكد أن «الربيع العربي» سيجد تأثيراته العميقة في مرافق الكيان الصهيوني والنسيج الاجتماعي في (إسرائيل) بشكل واضح. فالافتراض السائد في دوائر صنع القرار ومحافل التقدير الاستراتيجي في (إسرائيل)، أن التحولات التي يشهدها العالم العربي ستزيد من مخاطر نشوب توترات أمنية بين (إسرائيل) ومحيطها، يضطر فيه الكيان الصهيوني إلى شن حروب أو حملات عسكرية محدودة. فعلى سبيل المثال، هناك شبه إجماع داخل (إسرائيل) على أنه في حال سقط نظام الأسد في سورياً، فإن عقوداً من الهدوء ستنتهي. لكن ما العلاقة بين تزايد وتيرة نشوب الحروب وبين فاعلية مرافق الدولة في الكيان الصهيوني وقدرتها على توفير الخدمات؟ إن 70% من العبء العسكري في (إسرائيل) يقع على كاهل قوات الاحتياط؛ وبالتالي لم يحدث أن شنت (إسرائيل) حرباً أو حتى حملة عسكرية بدون تجنيد فرق وألوية من الاحتياط. ولما كان جنود الاحتياط، في الأوضاع الطبيعية، هم المسؤولون عن تقديم الخدمات المدنية في قطاعات الدولة المختلفة من صحة وتعليم وصناعة وانشاءات وغيرها، فإن العقيدة الأمنية الإسرائيلية، تنص على أنه يتوجب حسم المعارك والمواجهات الحربية مع العدو في أسرع وقت؛ لأن استمرارها وقتاً طويلاً يعني شلل مرافق الدولة؛ بسبب الاعتماد على قوات الاحتياط، وهذا ما يطلق عليه مبدأ «الحرب الخاطفة».
ومما زاد الأمور تعقيداً أن قدرة (إسرائيل) على حسم الحروب والحملات بسرعة، كما كان يحدث في حروبها الكلاسيكية مع الدول العربية، قد تراجعت. وأوضح مثال على ذلك ما حدث في حرب لبنان الثانية 2006 وحربي غزة 2008 و2012. ومن الواضح أن شلل مرافق الدولة بسبب التوترات الأمنية يمثل ضربة قوية للاقتصاد الإسرائيلي.

خطر ديموغرافي
لقد قام المشروع الصهيوني على ركيزتين أساسيتين؛ هما: المهاجر اليهودي، والأرض العربية المحتلة. وقد كان من اللافت أن الدافع وراء هجرة معظم اليهود لـ(إسرائيل) خلال العقود الثلاثة الماضية كان السعي لتحسين أوضاعهم الاقتصادية، ولا سيما أن معظم الهجرات قد جاءت من دول تعاني أزمات اقتصادية. من هنا، فإنه من الواضح أن نشوب التوترات العسكرية مع المحيط العربي، وتوجه «إسرائيل» نحو تحركات عسكرية -سواء حروب أو حملات محدودة- يعني تعاظم النفقات الأمنية، وهذا بحد ذاته يمس بالاقتصاد الإسرائيلي؛ مما سيقلص من قدرة الكيان على مواصلة دفع مخصصات الضمان الاجتماعي وتوفير فرص عمل، مما سيزيد من وتيرة الهجرة العكسية؛ مما يعني مغادرة كثير من هؤلاء المهاجرين «إسرائيل». ومما لا شك فيه أن الذين سيغادرون «إسرائيل» هم أولئك المتيقنون من أن بإمكانهم من الحصول على فرص في بلاد الغرب من ذوي الكفاءات العلمية، وهذا يعني أن تعاظم معدلات الهجرة العكسية سيشكل مصدراً آخر للمس بالاقتصاد الإسرائيلي.

فعلى سبيل المثال، أدت موجات الهجرة اليهودية من الدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفياتي مطلع تسعينيات القرن الماضي إلى زيادة عوائد الدولة من التصدير من 50 مليار دولار سنوياً إلى 80 مليار بعد هذه الموجات؛ حيث كان معظم المهاجرين من الكفاءات العلمية التي تم توظيفها في صناعات التقنية المتقدمة؛ وبالتالي يمكن الافتراض أن فرار قطاعات واسعة من ذوي الكفاءات العلمية، يعني توجيه ضربة قوية للاقتصاد الإسرائيلي. ومن الواضح أن تدهور الأوضاع الاقتصادية بسبب التوترات الأمنية المتتالية سيؤدي إلى تفاقم أزمة الحكم في الكيان الصهيوني. فعلينا أن نشير هنا إلى أن أحد أهم الأسباب التي دفعت نتنياهو إلى حل البرلمان، وتبكير موعد الانتخابات، عجزه عن تمرير موازنة الدولة لعام 2013؛ وذلك لأن مشروع هذه الموازنة تضمن تقليصات كبيرة على مخصصات الضمان الاجتماعي وموازنات الوزارات المدنية، وهو ما جعل شركاء نتنياهو في الحكومة يرفضون التصويت لصالح هذا المشروع. وقد كان من الواضح أن التقليصات التي تضمنها مشروع الموازنة قد جاءت لتمويل الزيادة المقترحة في النفقات الأمنية الآنية والمستقبلية. ومن المفارقة أن نتنياهو، وعلى الرغم من أنه في ذروة حملته الانتخابية، وفي ظل تراجع شعبية حزبه الليكود، إلا أنه اضطر إلى رفع أسعار بعض المواد الغذائية. ولا خلاف بين المعلقين الاقتصاديين الصهاينة، على أن أية حكومة ستشكل في «إسرائيل» في أعقاب الانتخابات التي ستجرى نهاية شهر يناير الجاري، ستكون مضطرة إلى تمرير مشروع موازنة يتضمن تقليصات غير مسبوقة في مجال الخدمات المدنية، علاوة على فرض مزيد من الضرائب ورفع أسعار الكثير من السلع. ونظراً لأن جميع الحكومات التي تشكلت في (إسرائيل) منذ تأسيسها هي حكومات ائتلافية، فإنه من شبه المؤكد أن الحكومات التي ستشكل مستقبلاً لن تكون مستقرة؛ بسبب الخلافات التي ستتفجر بين مركباتها الحزبية، بسبب التقليصات في مجال الخدمات المدنية. فالحركات التي تمثل الطبقات الفقيرة، مثل حركة «شاس» وتلك التي تمثل الطبقة الوسطى مثل «ييش عتيد»، ستعارض تقليصات تمس بمصالح هاتين الطبقتين؛ مما يعني سرعة انهيار الائتلافات الحاكمة في «تل أبيب» بشكل غير مسبوق.

قصارى القول.. يتضح بشكل جلي أن شروع العرب بالتخلص من أنظمة الاستبداد قد مكنهم من إيذاء الكيان الصهيوني على نحو كبير، على الرغم من أن الأنظمة الجديدة لم تطلق طلقة واحدة على (إسرائيل) ، ولم تأمر بحالة تعبئة عامة، ومع غرقها في بحر من الأزمات الداخلية.

وهذا يؤكد أن سيادة الاستبداد في العالم العربي كان -وما يزال- أحد أهم الظروف التي خدمت وتخدم الكيان الصهيوني.

ملفات أخرى متعلفة