إقرأ المزيد <


أبواب الشمس

خيري منصور
أربعاء ١٦ ٠١ / ٢٠١٣
في روايته “رجال في الشمس” اختصر الشاهد والشهيد غسان كنفاني المسألة كلها، فالرجال الذين عَبَروا الصحراء في خزان ماتوا اختناقاً، لأنهم لم يدقوا جدران الخزان، ومثلما شحّ الأوكسجين في ذلك الخزان شحّ أيضاً في فضاء بلاد منكوبة، وكان ما كان . وإذا كان للشمس رجال، فإن لها أيضاً أبواباً بسعة الكون، لأنها لا تُغطّى بغربال، وحين تغرب عن بلاد تكون قد أشرقت على أخرى، وقرية باب الشمس الفلسطينية التي زاوجت بين الرمز والواقع شُيّدت قبل أيام من خيام، فالخيمة توأم اللاجئ في كل زمان ومكان .

والعرب لم يكفّوا عن اللجوء والنزوح منذ تحولت الأوطان إلى ما يشبه المنافي .

حملت القرية اسم رواية معروفة تحولت إلى فيلم سينمائي لإلياس خوري، وهي أيضاً رواية شاهدة على هذه التغريبة المعاصرة، ولأن سلطات الاحتلال تطلق نيرانها على الواقع بكل ما فيه من بشر وحجر وشجر، فهي أيضاً تطلق النيران على التاريخ وعلى كل ما هو رمزي ومعنوي، لهذا زحفت بدباباتها وجرافاتها إلى باب الشمس كي تطفئها، لكن من دون جدوى، إنها أشبه بذلك الإمبراطور المجنون الذي أطلق النار على القمر، لأنه أراد أن يقطفه من السماء كي يضعه في عروة معطفه .

أبواب الشمس لا حدود لها، وإن أوصد واحد منها بغربال فإن الشمس تواصل سخريتها من السجان، وكان شاعر فلسطيني فُرض عليه منع التجول ليلاً يقول انهم يكرهون الشمس لهذا ربطوا قدمي إلى شُعاعها، فهي طليقة أبداً، وكذلك كل كائن يقترن بها .

أرادوا لشعب أن يتحول إلى وطاويط، لكنه اقترن بالشمس منذ سَحَرِها حتى غسقها، وأضاءت ساحة الجريمة حيث لم يعد هناك من يحلم بأن يضرب ويهرب وتكون جريمته كاملة وبلا شهود . وشأن كل لصوص التاريخ وقراصنته يضيق من يسطو بالضوء كي تستطيل يده في العتمة، لكن العتمة أيضاً مضاءة في تلك الجغرافيا الرسولية الشجية .

إنها مضاءة بعيون أطفال وقصائد شعراء ووصايا شهداء لا يكلون من السهر في بيوتهم الصخرية .

كان منذ البدء رهاناً خاسراً وعبثياً ذلك الذي توقع من الشمس أن تتحالف معه ضد أطفال وأبرياء وأضرحة يرشح منها الدم والدمع معاً .

باب الشمس ليس اسم رواية فقط أو قرية فقط، إنه باب الحرية الذي كلما حاولوا تضييقه أو مُواربته اتسع، ليصبح أفقاً من كل الجهات، ومن أُخْرجوا بالقوة من باب الشمس سيعودون إليه من باب آخر، وستبقى المعادلة الخالدة هي مفتاح التاريخ والجغرافيا معاً . .

إنها سلالة القتلة التي لا تنتهي وسلالة الضحايا التي لا تنتهي أيضاً، لكن الضحية الآن ليست خرساء فهي أبلغ من أي سلاح نووي، ولها فصاحة الحق والدم .
ومن ماتوا عقاباً لهم على الصمت وعدم الدقّ على جدران الخزان، لهم أحفاد الآن يدقون كل جدران العالم وأبواب الشمس، لأنهم أبناء النهار وليسوا من وطاويط العتمة .
وإذا كانت القرية العربية في فلسطين قد حملت اسم “باب الشمس” فإن المستوطنة التي تحاول افتراسها حملت إلى الأبد اسم باب الظلام .

ملفات أخرى متعلفة