إقرأ المزيد <


الصهيونية وعقدة الريادة

خيري منصور
خميس ١٠ ٠١ / ٢٠١٣
قد لا تخلو ثقافة أو تجربة سياسية من عقدة الريادة، فالأجيال التي تعقب الرواد تبقى أسيرة في نطاق فلسفتهم ورؤاهم، لكن الصهيونية تعد حالة بالغة التطرف في هذا السياق، فما أن مر نصف قرن على المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1898 حتى بدأ الأبناء ومن بعدهم الأحفاد يحلمون بريادة ثانية، لكن هذا التطرف في النموذج الصهيوني اتضح على نحو مشهود بعد حرب عام 1967 التي أطلق عليها استكمال حرب (الاستقلال)، فبدأ من هذا الجيل من يحلم بوراثة وايزمان وبن غوريون وغولدامائير ومنهم اسحق شامير الذي ذهب بعيداً في الحلم والتعبير عن عقدة الريادة عندما أراد أن يكون "ملك إسرائيل" وفق التقاويم التوراتية وأدبيات الحركة .

ثم انتقلت عدوى هذه العقدة إلى النساء اليهوديات فأصبح هاجس من تصعد منهن إلى الصف الأول في المشهد السياسي أن تكون غولدامائير الثانية، والآن يتجسد هذا الهاجس في زعيمة حزب العمل، لكنه يتضح أكثر لدى تسيبي ليفني وزيرة الخارجية السابقة ومؤسسة حزب الحركة حديثاً . أما لماذا اختارت ليفني اسم “الحركة” لحزبها الجديد فتلك حكاية صهيونية لها بعد رمزي بامتياز، وإذا كان حزب “كاديما” قد اشتق اسمه من مصطلح بالعبرية يعني التقدم إلى الأمام، فإن حزب ليفني يعود إلى الوراء، ويعني اسم “الحركة” بالنسبة لمؤسسي الحزب العودة إلى ما قبل الدولة العبرية، عندما كانت الصهيونية تحمل اسم “الحركة” وهي المنظمة السرية .

ومن خصائص “الحركة” كمصطلح ومفهوم أنها لا تخضع لقوانين الدولة، وبالتالي للثقافة السياسية الدولية، ولم يغب مفهوم الحركة عن الدولة العبرية طيلة العقود الستة الماضية، لكنه عاد إلى المشهد السياسي بأسماء عدة مستعارة خلال المفاوضات التي دارت بين (إسرائيل) والعرب، وإن كانت مفاوضات (أوسلو) ومن ثم اتفاقياتها في المرحلتين الأولى والثانية قد افتضحت استدعاء الدولة العبرية لاحتياطيّها الحركي ومنطق ما قبل الدولة، فالخطاب كان ولايزال مزدوجاً واشبه بدائرتين متطابقتي المحيطين ولهما مركز واحد، وأوشكت هذه الحيلة أن توقع الفلسطينيين في فخ بالغ الإحكام والصعوبة بحيث يتصرفون كدولة وهم في مرحلة ما قبل الدولة، بينما تتصرف (إسرائيل) كحركة ودولة معاً، لهذا كان بعض حلقات التفاوض يشبه مصارعة أو ملاكمة يستخدم فيها أحد الطرفين ذراعيه معاً، بينما يستخدم الطرف الآخر ذراعاً واحدة فقط .

وبالعودة إلى هاجس الريادة وعقدتها، فإن ساسة (تل أبيب) وجنرالاتها يعرفون أن مثل هذه الريادة هي المرادف لما يسمى الولادة الثانية، لهذا فهي ذات متطلبات نوعية، وتشترط إنجازات غير عادية، ولم تكن حروب شارون بالتحديد إلا شكلاً من أشكال استحقاق الريادة مرة أخرى، لكنه لم ينجح في ذلك شأن معظم أبناء جيله .

وإذا صح ما يقال عن أن التاريخ لا يستعاد إلا بإحدى صورتين، إحداهما كوميدية والأخرى تراجيدية فإن ما تحاوله ليفني هو من النمط الأول، لأن غولدامائير أخرى وفي العقد الثاني من الألفية الثالثة هي مجرد نوستالجيا صهيونية، لأن ما أفرز الأولى تبدل كماً وكيفاً وما من فلسطين أخرى لاحتلالها إلا إذا كان المقصود هو إعادة احتلال المحتل .

ملفات أخرى متعلفة