الوليد بن يزيد... المفترى عليه 125-126هـ

أ. د. خالد الخالدي
الأحد ٠٦ ٠١ / ٢٠١٣
تعرض تاريخ الأمويين للتشويه لأنه كتب في عهد خصومهم العباسيين، ولأن كثيراً من الرواة والمؤرخين الذين تناولوا تاريخهم كانوا من شيعة العراق المعادين للأمويين، لكن أكثرهم تعرضاً للظلم والتشويه كان الوليد بن يزيد بن عبد الملك، إذ ظُلم وشُوِّه قبل أن يلي الخلافة، وعندما تولاها، وبعد أن تولاها، ونالت منه ألسنة ذوي القربى ثم سيوفهم قبل أن تناله ألسنة وأقلام الرواة المعادين للأمويين، وما زال يُظلم إلى يومنا هذا، إذ يَعُدُّه كثير من الكتاب المعاصرين رمزاً للفسق والفساد، معتمدين في ذلك على الروايات التي أشيعت عنه في حياته، وامتلأت بها كتب التاريخ، فاتهموه بالفسق والفجور والعكوف على شرب الخمر، وأنه همَّ بشرب الخمر فوق سطح الكعبة عندما أمَّره عمه الخليفة هشام على الحج سنة 119هـ، وأنه أهان المصحف الشريف ومزقه، لأنه فتحه ليقرأ فيه فكانت أول آية طالعته هي قوله تعالى:{ واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد، من ورائه جهنم، ويسقى من ماء صديد}، فنصب المصحف، وجعله غرضاً للنشاب، وأقبل يرميه وهو يقول:
أتُوعِدُ كلَّ جبارٍ عنيدِ : فهأنذا جبارٌ عنيدُ
إذا جئتَ ربك يوم حشرٍ : فقل يا ربِّ مزقني الوليدُ.

والمدقق في سيرة الوليد يكتشف أنه بريء من كل التهم والطعون التي وُجِّهت إليه، وسوف أوضح ذلك من خلال النقاط التالية:
1- بدأت حملة التشهير بالوليد أثناء خلافة عمه هشام، ومصدر هذه الحملة أبناء عمه الذين أرادوا إقناع الناس بإبعاد الوليد عن ولاية العهد، ليخلفوا أباهم بدلاً من الوليد الذي كان ولياً للعهد.

2- حاول هشام إقناع الوليد بالتنازل عن ولاية العهد لأحد أبنائه لكنه رفض، فحصلت بينهما وحشة، ولو كان الوليد فاسقاً زنديقاً كما صورته الشائعات المنتشرة لما تردد هشام في عزله، ولوجدها فرصة لتعيين أحد أبنائه ولياً للعهد، ولما وجد معارضة من أحد.

3- لو كانت هذه الاتهامات صحيحة لما رضي هشام المشهور بتقواه ونزاهته أن يصبح خليفة المسلمين بعده فاسقاً زنديقاً، ولما سكتت الأمة على ذلك.

4- أثنى عليه ابن كثير فقال في كتابه البداية والنهاية:" ثم إن الوليد سار في الناس سيرة حسنة بادي الرأي، وأمر بإعطاء الزمنى والمجذومين والعميان لكل إنسان خادماً، وأخرج من بيت المال الطيب والتحف لعيالات المسلمين، وزاد في أعطيات الناس، ولاسيما أهل الشام والوفود، وكان كريماً ممدحاً شاعراً مُجيداً لا يُسألُ شيئاً قط فيقول لا".

5- أنصفه ابن الأثير فقال:" وقد نزه قومٌ الوليد مما قيل فيه، وأنكروه ونفوه عنه، وقالوا: إنه قيل فيه، وأُلصق به، وليس بصحيح". ولا شك أن هؤلاء القوم هم من عرفوا الوليد عن قرب، ولم تؤثر فيهم الشائعات، مثلما أثرت في غيرهم ممن سمعوا عنه دون أن يعرفوه، وشهادة من عرف أصدق وأقوى من شهادة من سمع.

6- روى المدائني أن ابناً للغمر بن يزيد دخل على هارون الرشيد، فقال له:ممن أنت؟ فقال من قريش، فقال: من أيها؟ فأمسك، فقال: قل وأنت آمن، فقال: أنا ابن الغمر بن يزيد، فقال: رحم الله عمك الوليد، ولعن يزيد الناقص-قاتل الوليد-، فإنه قتل خليفة مجمعاً عليه! ارفع حوائجك فرفعها فقضاها. إن ترحم الرشيد على الوليد ولعن قاتله دليل على أنه دقق فيما أشيع عنه، واكتشف أنه بريء مظلوم.

7- وفي رواية أخرى قال شبيب بن شبة:" كنا جلوساً عند المهدي- الخليفة العباسي- فذكروا الوليد، فقال المهدي: كان زنديقاً، فقام أبو علاثة الفقيه فقال: "يا أمير المؤمنين إن الله أعدل من أن يولي خلافة الأمة زنديقاً، لقد أخبرني من كان يشهده... بمروءة في طهارته وصلاته، فقال المهدي: بارك الله عليك يا أبا علاثة، وإنما كان الرجل محسوداً في خلاله، ومزاحماً بكبار عشيرة بيته من بني عمومته".

8- روى الطبري وابن الأثير وابن كثير أنه لما أحاط أتباع يزيد بالوليد بن يزيد في قصره وحصروه قبل أن يقتلوه:" دنا الوليد من الباب، فقال: أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلمه، فقال له يزيد بن عنبسة: كلمني، فقال له من أنت؟ قال: أنا يزيد بن عنبسة السكسكي، فقال: يا أخا السكاسك، ألم أزد في أعطياتكم؟ ألم أرفع المؤن عنكم؟(الضرائب)، ألم أعطِ فقراءكم؟ ألم أخدم زمناكم؟ فقال: إنا لم ننقم عليك في أنفسنا، ولكن ننقم عليك انتهاك ما حرم الله، وشرب الخمر، ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله، فقال: حسبك يا أخا السكاسك، فلعمري لقد أكثرت وأغرقت، وإن فيما أُحل لي لسعة مما ذكرت. ورجع إلى الدار، وقال: يوم كيوم عثمان، ونشر المصحف يقرأ. " ثم قتلوه، وكان آخر كلامه قبل أن يُقتل:" أما والله لئن قتلتموني لا يُرتقُ فتقكم، ولا يُلمُّ شعثكم، ولا تجتمع كلمتكم".

ومن الواضح أن عنبسة وغيره من المحاصرين كانوا متأثرين بالشائعات التي نشرت عنه، لكن الفاسق الزنديق لا يقابل الموت بهذه السكينة، ولا يتوجه إلى كتاب الله ليقرأه، ولا يلهم إلى هذه الخاتمة الحسنة. وصدق ما توقعه الوليد، فتمزقت بعد قتله مظلوماً دولة الأمويين وسقطت، وتعرض معظم الأمويين للقتل على يد العباسيين. فهل من معتبر؟!!

ملفات أخرى متعلفة