إقرأ المزيد <


مـطب "الهدنة"

فايز رشيد
ثلاثاء ٢٧ ١١ / ٢٠١٢
وفقاً للأنباء الراشحة من القاهرة بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار في غزة، فإن مفاوضات تجري هناك بين أطراف عديدة هدفها الوصول إلى “التهدئة”، ومن ثم إلى “الهدنة” في القطاع مثلما جرى بعد عدوان 2008 – 2009، بالنسبة إلى الشروط الفلسطينية وكما طرحها ممثلا حركتي حماس والجهاد الإسلامي، فتتلخص في: رفع الحصار “الإسرائيلي” الكامل عن قطاع غزة، وقف توغلات جيش الاحتلال في القطاع، وقف الاغتيالات لقادة الفصائل، كذلك وقف الاعتداء على الصيادين وإطلاق النار عليهم. أما الشروط “الإسرائيلية” فتتمثل بما يلي: هدنة طويلة الأمد تمتد 10 سنوات أو أكثر، وقف دخول الأسلحة إلى غزة فوراً وأي أسلحة جديدة يتم إدخالها تعدُّ خرقاً للهدنة. وقف إطلاق الصواريخ من حماس والجهاد الإسلامي وكل الفصائل وكذلك عدم استهداف الجنود “الإسرائيليين” على الشريط الحدودي. من حق “إسرائيل” المطادرة الساخنة في حال تعرضت لهجوم أو لديها معلومات عن هجوم . رفع الحصار عن القطاع يتم من خلال معبر رفح وبالتنسيق بين مصر وحماس . رعاية الاتفاق تكون سياسية وليس أمنية، أي تتم من خلال مصر والرئيس مرسي وليس أجهزة الأمن المصرية.

بداية: ثبت بالملموس أن استدعاء 75 ألفاً من الاحتياط في “إسرائيل” والتهديد باجتياح القطاع من خلال الهجوم البري، كانت من وسائل الحرب النفسية “الإسرائيلية” ليس إلا، لأنه لو استطاعت “إسرائيل” البدء بالحملة البرية (وتطهير) غزة من حكم حماس ومن فصائل المقاومة من دون خسائر بشرية ومادية لفعلت ذلك دون أدنى تأخير. مارست الهجوم البري على القطاع في 2008-2009 وماذا كانت الحصيلة؟ فشل “إسرائيلي” في تحقيق هدف إسقاط حماس، وتعززت الأخيرة بأسلحة صاروخية بعيدة المدى (بالمعنى النسبي) هي وكافة الفصائل الفلسطينية.

من ناحية ثانية: فإن الجديد في عدوان 2012 اكتشاف “إسرائيل” لامتلاك فصائل المقاومة نوعية صواريخ جديدة وأسلحة حديثة (أيضاً بالمعنى النسبي بالطبع) لم ترصدها أجهزة العدو الأمنية. هذا يعني إمكانية امتلاك فصائل المقاومة أسلحة حديثة ضد الدبابات والمدرعات وكل أنواع الدروع، الأمر الذي عنى ويعني: إمكانية تكبيد القوات البرية “الإسرائيلية” خسائر بشرية ومادية كبيرة في حالة دخولها أراضي القطاع، وهذا الذي منعها من دخوله عن طريق الحرب البرية.

كذلك، فإن “إسرائيل” لن تكرر تجربة دخول جيشها البري إلى الجنوب اللبناني في عام 2006 لا الآن ولا على المدى القريب، فقد تكبد جيشها في لبنان خسائر بشرية كبيرة، هي تستطيع القصف من خلال الغارات الجوية والبوارج والمدافع دون مخاطرة الدخول إلى غزة.

من ناحية أخرى، “إسرائيل” لا تستطيع خوض حرب طويلة لأسباب عديدة من أبرزها، التكلفة الاقتصادية الكبيرة للحرب، وقد بدأ الاقتصاديون “الإسرائيليون” في إحصاء تكلفة العدوان الأخير . رصدوا أرقاماً كبيرة في خسائر “إسرائيل” الاقتصادية بعد ثمانية أيام من القصف المتتالي للقطاع . أيضاً فإن عشرات الآلاف من الاحتياطي الذين يعملون في مواقع مدنية كثيرة، لا يستطيعون الغياب عن وظائفهم لفترة طويلة، فهذا يعني مضاعفة الخسائر الاقتصادية وسط وضع تم فيه استقطاع المئات من ملايين الشواقل بسبب العجز في الميزانية.

اعتادت “إسرائيل” على نقل المعركة إلى أرض عدوها. جبهتها الداخلية لا تستطيع تحمل أعباء الحرب . كانت قد أعلنت في اليوم الأول للقصف بأنه تم تدمير مخزون المقاومة الفلسطينية من الصواريخ. في نفس اليوم جرت المفأجاة، عدم نضوب صواريخ المقاومة التي جرى إطلاقها بالعشرات والمئات ووصولها إلى مديات أبعد على مدى ثمانية أيام، بمعنى أن المقاومة أصبحت قادرة على ممارسة نوع من الردع( زادت وتائره) ضد “إسرائيل” .

على صعيد آخر، بعد عدوانها في عامي 2008-2009 حصلت هدنة . “إسرائيل” لم تلتزم بالهدنة طوال ما يزيد عن الثلاث سنوات، فبين الفينة والأخرى قامت بغارات على غزة، ادّعت دوماً: بأنها تقصف أهدافاً عسكرية، لذا ليس منتظراً أن تلتزم “إسرائيل” بهدنة جديدة .

“إسرائيل” هي المغتصبة للأرض الفلسطينية، والفلسطينيون في حالة مقاومة لفعل الاحتلال، لذا من حقهم المقاومة وفقاً لكل نواميس الطبيعة، وقوانين الأرض بما فيها قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي شرّعت المقاومة بكل أشكالها ووسائلها بما فيها الكفاح المسلح ضد الاحتلال . لذا قانوناً وشرعاً لا تجوز هدنة بين من يقوم بمقاومة الاحتلال وبين الغاصب، فهذا يعني أنه تم تكريس الاحتلال . الهدنة تتم بين دولتين، وليس بين حركة تحرر وطني مقاومة وبين دولة محتلة لأراضيها، ثم أن الاشتراط “الإسرائيلي” يقضي بعدم عبور أسلحة دفاعية إلى المقاومين في القطاع وهذا اشتراط ظالم، في الوقت الذي تمتلك فيه “إسرائيل” كل أنواع الأسلحة بما فيها النووية والكيماوية والأسلحة الحديثة الأخرى، وهي لم تتوقف ولن تتوقف عن استيراد المزيد من الأسلحة .

تتوقف المقاومة فقط عندما يزول الاحتلال . “إسرائيل” مصرّة على إبقاء احتلالها الأرض الفلسطينية. لذا من واجبنا أن نُصّر، فلسطينيين وعرباً، على حقنا في المقاومة والكفاح المسلح منها تحديداً طالما بقي الاحتلال الصهيوني لأرضنا قائماً وموجوداً .

لكل ما سبق على الفصائل الفلسطينية (وبخاصة حركة حماس) عدم الوقوع في مطب خديعة “الهدنة” مع “إسرائيل”.

ملفات أخرى متعلفة