لماذا أخفق العدوان الإسرائيلي على غزة؟

د. عدنان أبو عامر
الاثنين ٢٦ ١١ / ٢٠١٢
هدفت العملية الإسرائيلية لتحقيق عدد من الأهداف والأغراض، أهمها استعادة الردع الإسرائيلي المفقود أمام المقاومة الفلسطينية، واستهداف عدد من القادة الميدانيين للفصائل المسلحة، وتدمير منازلهم، وتدمير قواعد إطلاق الصواريخ ومخازن السلاح والذخيرة، والقضاء على ما يمكن من البنية العسكرية للمقاومة، وتأمين هدنة مع حماس في غزة، لم يأن أوانها بعد، وإدراك (إسرائيل) بما لا يقبل الشك أن أي دولة عربية غير جاهزة لمواجهتها، وأنها ما زالت الدولة الأقوى والأقدر في هذا المحيط العربي الكبير، رغم ثورات الربيع العربي.

وتسربت العديد من الخطط العسكرية الإسرائيلية الافتراضية، التي تناقش فرضيات العملية المتدحرجة و"تغيير الوضع في غزة"، على توجيه سلسلة من الضربات الجوية والبرية والبحرية ضد بُنَى حكومة حماس والقيادات والمؤسسات والكوادر والمنشآت، مكثفة ومتتالية.

وقد أنبأت المواجهات التي وقعت بغزّة في الأسابيع الأخيرة بتجربة جديدة واجهها الإسرائيليون، تفتح الباب أمام نقاش مختلف، لأنه مهما تصوروا إنجازاتهم عند أطراف القطاع فهم يعرفون أن ما يواجهونه اليوم لم يخطر ببالهم قبل عشر سنوات، ما يعني أن المعارك التي ستدور مع المقاومين ستشبه "الحرب الضروس"، لأنهم سيقاتلون من بيت إلى بيت، يتقدمون ببطء وحذر، كون الجنود قد يفاجؤون ببيوت مفخخة، فضلاً عن إعداد المقاومين لدراجات نارية، ومنافذ عبر جدران المنازل لخطف جنود، ومحاولة جر الجيش لحرب شوارع.

ولذلك أخذت العملية العسكرية الجوية شكلاً قاسياً، سريعاً جداً؛ لتقضي على البنى التحتية، وتكسر الهرمية القيادية، وتخطف أرواح القادة السياسيين وكوادر المقاومة العسكريين، وهو ما تأمل (إسرائيل) منه إضافة جرعة جديدة من الرعب ضد الفلسطينيين، لأنها تعتقد أن مشاهد الحشود والدبابات على مشارف القطاع بين حين وآخر لم تكن كافية لتحقيق العرض.

وفي حين أن الحروب عادة ما تبدأ بمواجهات، ثم تنتهي بتدمير ومجازر، فإن حرب (إسرائيل) الأخيرة على غزة جاءت من نوع مختلف، التدمير أولاً ثم الحرب، وهذه ليست صدفة، لأن لديها إستراتيجية جديدة توجه رسالة للجميع مفادها: إذا تعرضنا لأي هجوم فإن سياستنا في الرد هي الجنون، هذا ما يقوله الإسرائيليون عن أنفسهم، وترجمة الجنون على الأرض هي التدمير الواسع والشامل.

فإذا تم قصف المستوطنات الجنوبية بصاروخ، ترد (إسرائيل) بغارة جوية تدمر أحياء كاملة، أو سلسلة من المصانع، لعل هذا يردع الفلسطينيين عن مهاجمتها، يريد الإسرائيليون أن تكون إستراتيجية الجنون وما يرافقها من تدمير واسع أداة رادعة تجبر الفلسطينيين وسواهم على التفكير طويلا قبل أن يتحركوا ضدهم، وكأنها تريد أن تجعل من "إستراتيجية الجنون"، والقصف الجوي الواسع والمدمر، وارتكاب المجازر بسرعة فائقة ومدروسة سلاحًا رادعا آخر يؤدي ذات رسالة السلاح النووي، وهي تعكس أيضاً حالة من الضعف تستحق المراقبة، تقول بأن الجيش الإسرائيلي لم يعد الجيش الذي لا يقهر.

وبات واضحاً أن (إسرائيل) تشن عمليتها ضد غزة لتقضي على صواريخها، لكن المواجهة الأخيرة أثبتت أنه بعد أيام ثمانية من التدمير الشامل، ردت المقاومة بتجديد قصف الصواريخ، ليتبلور الدرس الأول الذي يقول بأن إرادة القتال ما زالت صامدة، ولم تستطع المجزرة الإسرائيلية أن تقضي عليها، وبعد يوم واحد إضافي تبلور الدرس الثاني، حين أطلق المقاتلون الفلسطينيون صواريخ ذات مدى أبعد، وشكل ذلك "هزيمة" لجنرالات إستراتيجية الجنون، وبدلًا من القضاء على الصواريخ ها هم أمام صواريخ أبعد مدى وأشد تأثيرا.

أخيراً.. في قراءة تحليلية ختامية، يمكن تقييم نجاح العمليّة أو فشلها من خلال مدى سلامة قادة حماس بعد الغارات الجويّة، وسرعة تقدّم الجيش داخل غزّة أو تباطئه، وجاهزية المنظومة الدفاعيّة التي حضّرتها المقاومة بعد القصف الجويّ، ومستوى المخزون اللوجستيّ من الصواريخ التي إذا ما استمرّت بالانطلاق.

الدرس الأهم في هذه الحرب الإسرائيلية على غزة أن مجموعة من المقاتلين وحفنة من الصواريخ لا تستطيع أن تقضي على الجيش المهاجم، لكنها في ذات الوقت لا تتيح له فرصة تحقيق أهدافه، وحين لا يستطيع جيش جرار ذلك فهذه هي هزيمته، حصل هذا في "الرصاص المصبوب" حين واجهته "بقعة الزيت" الفلسطينية في 2008، ويحصل ثانية في "عامود السحاب" الذي تواجهه "حجارة السجيل" عام 2012!

ملفات أخرى متعلفة