إقرأ المزيد <


فلسطين بين الجغرفة والأنسنة

خيري منصور
خميس ٠٨ ١١ / ٢٠١٢
الجغرفة في هذا السياق تعني نزع التاريخ وسلخه كما ينتزع اللحم عن العظم، وإن كان النخاع في المثال الفلسطيني هو البعد الثالث والأشد حساسية لأنه يعني المقدس والرمز التراثي ورحيق التاريخ الذي تقطر في بيت المقدس .

وقد جرت حتى الآن محاولات عديدة لخلع فلسطين كقضية من نطاقين حضاريين وإنسانيين أحدهما قومي والآخر عقائدي، وأعني بهما الأسلمة والتعريب .

وحين تتم هذه الجراحة الجذرية والاستئصالية لفلسطين كقضية لا يتبقى إلا مساحة جغرافية قد تكون متواضعة وهي الممتدة بين نهر الأردن والبحر المتوسط، وعندئذ يسهل الاستفراد الصهيوني بها، فالمشكلة الحقيقية التي واجهت رواد المشروع الصهيوني منذ مؤتمر بال عام 1898 هي أن فلسطين ليست مجرد مساحة في الجغرافيا أو أنها قابلة للاختزال المادي في حدود تضاريسها، لأنهم أدركوا منذ البدء أن لفلسطين تضاريس أخرى ومساحة أخرى لا تقاس بالأميال المربعة، فهي بدلالاتها الرمزية حضارياً وثقافياً وعقائدياً تتخطى مساحتها الجغرافية بآلاف الأضعاف، والعيون التي ترنو إليها يتعذر حصرها عبر القارات الخمس، لأنها بدلالاتها التاريخية عابرة لكل الحدود فهي هناك، بقدر ما هي هُنا ومن ينتسبون إليها معنوياً وروحياً ليسوا فقط من ساكنيها أو من يرون فيها مجرد مسقط رأس .

وحين قال العرب عبر نظم رسمية إنهم يرضون بما يرضى به الفلسطينيون عبروا عن استقالة قومية وجماعية من هذا الدور الذي طالما أنيط بهم جميعاً فظن المحتل أن ما كان يخشاه قد تبدد وانتهى، وأصبح الصراع بين الفلسطينيين الأسرى في عُقر وطنهم وبين سلطات الاحتلال والاستيطان، لكن المكونات التاريخية والوجدانية للبشر لا تبدأ أو تنتهي بصدور القرارات، فالمسألة أبعد من ذلك بكثير، لهذا لم تكن فتاة أمريكية أو شاب إيطالي يعترفان بالجغرفة لقضية تاريخية أصبحت تختبر ما تبقى من منسوب العدالة، وبعبارة الفنان الراحل مارلون براندو ما تبقى من شرف!

ولو أخذنا مساحات القبور والأضرحة مثالاً لقلنا إنها في حقيقتها لا تتسع لمن يسهرون فيها من أبطال وشهداء، فهم دائماً يفيضون عن مساحاتها مثلما فاضوا وهم أحياء عن مساحة أجسادهم باعتبارهم من البشر الفانين، وإذا جردت قضايا كبرى من بعدها الرمزي ودلالاتها المتجاوزة لمساحتها الطبيعية فإن التاريخ يصبح مجرد سرد حكايات، الغالب فيه غالب إلى الأبد والمغلوب فيه لا حول له ولا قوة، لكن للتاريخ بعداً تراجيدياً أو ما سماه بونفوا الفرنسي روح التاريخ أو شُحنته الشعرية، تلك الروح تتخطى ثنائية المنتصر والمهزوم، لأن التاريخ لو كان مجرد مجرى تتحكم الذرائعية في منابعه ومصباته لكان الشهداء كلهم في عداد المهزومين، والحقيقة عكس ذلك تماماً .

إن السعي إلى فلسطنة فلسطين بمعنى اختزالها إلى الجغرافيا الصّماء فقط لن يفلح على الاطلاق ما دامت هناك قدس تخص بشراً يعيشون بعيدين عنها آلاف الأميال، وما دام هناك تراب ممهور بنداء رسولي .

إن غير الفلسطيني، بالمعنى الضيق للجغرافيا ومسقط الرأس، بوسعه أن يقول للفلسطيني إنه انتمى وانتسب إلى تلك الأرض ومات فيها أو في الطريق إليها بمحض إرادته ووعيه، لأنه لا يرى أن مساحة فلسطين هي الجغرافيا المجردة، وما جعل من التاريخ تاريخاً وليس مجرد سرد للوقائع هو تلك الشحنة التي تكمن فيه والتي تتوارثها الأجيال قروناً بل ألفيات . . فثمة اليوم صينيون يتظاهرون مطالبين بأرض تخصهم احتلت قبل سبعة قرون فالنسيان خارج هذا المدار، اللهم إلا إذا كان الرهان على زهايمر وبائي يشملنا جميعاً!

ملفات أخرى متعلفة