كوابح التحرك العسكري (الإسرائيلي) تجاه غزة

د. عدنان أبو عامر
الاثنين ٠٥ ١١ / ٢٠١٢
انتهت جولة المواجهة العسكرية الأخيرة في غزة بتقدير عسكري وأمني (إسرائيلي) متفق عليه تقريباً، يقول إن حماس تحاول إقرار ميزان رعب جديد على الحدود مع القطاع، ما يفسر تحول معظم التصريحات الأمنية في الأسابيع الأولى من الحملة الانتخابية لـ(الكنيست) من التركيز على التهديد الإيراني إلى التصعيد التدريجي على حدود غزة، ما يعني أن شيئاً ما يلوح في الأفق، ويعد سبباً مركزيّاً لقلق صناع القرار في (تل أبيب).

هذه المواجهة وأخرى قادمة كفيلتان بأن تشكلا لاحقًا خطرًا سياسيًّا على رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو"، الذي لا يبحث عن مواجهة عسكرية واسعة مع حماس، ومن الصعب التصديق بأنّ الأخيرة معنية بمواجهة كهذه، ومع ذلك إن أحداث الأسابيع الأخيرة تقربهما من نقطة الصدام، الكفيلة بأن تلقي بظلالها على الحملة الانتخابية.

وخلافًا لمعظم جولات المواجهة السابقة، إن ما جرى في الأسبوعين الأخيرين _وفقاً للتقدير (الإسرائيلي)_ جاء بمبادرة واضحة من حماس، فهي لم تعد تتجاهل نار الصواريخ التي تطلقها المنظمات الصغيرة، بل تشارك الآن بنشاط في العمليات، ولا تخشى إعلان ذلك.

ما يعني أنه على المستوى التكتيكي تحاول حماس أن تقرب قواعد لعب جديدة فيما يسميه الجيش "المقياس" القاطع لمئات الأمتار غربي الجدار، في الطرف الفلسطيني، وتريد تثبيت ميزان رعب بموجبه لكل نشاط يقوم به الجيش خلف الجدار، وأحيانًا بمحاذاته في الطرف (الإسرائيلي) ستكون "شارة ثمن"، وفي كل مرة يعبر فيها الجيش الجدار ليفكك عبوات ناسفة زرعها الفلسطينيون؛ تفتح عليه نار قذائف (الهاون.(
كل ذلك معناه أن استمرار الصراع العنيف قد يضع الجانبين في موقف خطير؛ لأن رد الفعل (الإسرائيلي) حتى الآن منضبط جدًّا، واقتصر على ضرب خلايا إطلاق الصواريخ من حماس والفصائل الأخرى، لكن الأمر كفيل بأن يتغير إذا ما استمر إطلاق النار.

في الوقت نفسه هناك انطباع (إسرائيلي) سائد يعلنها صراحة أو مواربة، معترفاً بما أسماها "الحقيقة المرّة"، المتمثلة بعدم امتلاك الجيش حلّاً تجاه معضلة غزة؛ لأن المستوى السياسي دفع به في غزة إلى طريق بلا مخرج، رغم تهديدات وزير الحرب ورئيس الوزراء ورئيس هيئة الأركان الذين يهددون حماس صباح مساء برد مؤلم إذا لم يقف إطلاق القذائف الصاروخية.

فقد أعلن الجيش أن الفلسطينيين أطلقوا 610 صواريخ منذ مطلع السنة باتجاه المستوطنات الجنوبية، بينها 150 صاروخًا خلال الشهر الماضي وحده، من (سديروت) إلى عسقلان وبئر السبع، ولا يكاد يمر يوم دون أن تُسمع تحذيرات "اللون الأحمر" التي تجعل سكان الجنوب يفرون إلى أماكن آمنة، ولا يملك الجيش جواباً.

في المحصلة إن استمرار الوضع على ما هو عليه يعني أن الجيش فشل في امتحان مواجهة القذائف الصاروخية لحماس، وذهب إلى تجريب جميع الوسائل: الاغتيالات المركزة، ومهاجمة البنى التحتية، وإطلاق نيران المدافع على خلايا إطلاق الصواريخ، وعملية واسعة النطاق داخل القطاع كـ"الرصاص المصبوب"، وتحصين آلاف المباني بكلفة مئات الملايين، ونصب منظومة دفاع لمواجهة الصواريخ.

ورغم كل ذلك يستمر إطلاق الصواريخ، ما يعني أن حماس في واقع الأمر تحدد قواعد اللعب، فإن شاءت أطلقت القذائف الصاروخية، وإن شاءت أعلنت هدنة، وبالتالي إن المبادرة في يد الطرف الثاني، ودُفع الجيش إلى موقف من يرد على ذلك!

الموقف الأكثر إثارة في ملف التصعيد الأخير موقف رئيس أركان الجيش الذي يُكثر في المدة الأخيرة من القول إنه لا يمكن الاستمرار في ذلك، ولن يكون مفر من عملية عسكرية واسعة النطاق أخرى داخل قطاع غزة، عبر عمل هجومي كبير فيه؛ لأنه لن نستطيع الاستمرار في جولة بعد جولة.

في الوقت نفسه إن مقربين منه يؤكدون إحجامه عن منح الحكومة توصية بنسخة أخرى من "الرصاص المصبوب"؛ لأنه يدرك جيدًا أن عملية عسكرية واسعة في القطاع لن تحل مشكلة القذائف، رغم إمكانية نجاح الجيش في قتل عدد غير قليل من عناصر حماس، ويضع يده على قواعد إطلاق وقذائف صاروخية، لكن إطلاقها لن يتوقف، ولا يجوز أن ننسى أنه خلال الحرب وفي أثناءها استمرت حماس بإطلاقها، وزادت في معدلاتها، ومع ذلك مهم ألا ننسى أننا في منطقة رمال متحركة، كل (سيناريو) مستبعد قابل للتحقق بين ساعة وأخرى.

ملفات أخرى متعلفة