إقرأ المزيد <


غزة تنتظر زيارة تاريخية

د. كمال الشاعر
أربعاء ١٧ ١٠ / ٢٠١٢
لقد كانت الزيارة التاريخية التي قام بها سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر للبنان بعد حرب تموز 2006م هي الأولى من نوعها لحاكم عربي؛ فلقد تركت تلك الصورة التي التقطها الإعلاميون لسمو الشيخة موزة بنت ناصر المسند، التي أخذت في أثناء زيارتها لمركز سرطان الأطفال في العاصمة اللبنانية بيروت بصمات وذكريات عند الأطفال والكبار على حدٍّ سواء، لم ينسوها على مر الزمان، خاصة أن هذه الزيارة جاءت بعد حرب تموز 2006م المدمرة، التي خلالها شن العدو الصهيوني سلسلة غارات انتقامية عنيفة طالت المؤسسات والمنازل في الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية، وبصمود الشعب اللبناني والتفافه حول الجيش والمقاومة معًا انسحب العدو الصهيوني دون تحقيق أي من أهدافه، وعلى الفور كانت قطر السباقة للخير في تقديمها يد العون والمساعدة للشعب اللبناني الصامد، وباشرت القيام بعدة مشاريع حيوية وبناء أكثر من 10000 وحدة سكنية.

وها هو سمو الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وبرفقته عقيلته سمو الأميرة الشيخة موزة بنت ناصر المسند يفاجئان الجميع بإعلانهما تكرار الزيارة التاريخية إلى بلد يشترك مع لبنان في نفس الصفة، وهي مقاومة نفس العدو، وعُرض لنفس الحرب وخلالها حقق نفس النتائج، وهي الصمود الأُسطوري للشعب والمقاومة على حد سواء أمام أعتى آلة حربية في الشرق الأوسط، إبان حرب الفرقان 2008/2009م، وها هي قطر قد أوفت بالوعد _فشكرًا لقطر_ وأمدت قطاع غزة بالبترول القطري الذي أخذ يتدفق في شريان حياة كهرباء غزة، وكذلك شرعت في القيام بعدة مشاريع حيوية وشق الطرق، وبناء منازل المواطنين التي دمرت في أثناء حرب الفرقان.

فالسياسة الخارجية القطرية ليست وليد اللحظة, فتوجهات القيادة القطرية نحو الأمتين (العربية والإسلامية) بدأت منذ تولي أمير قطر الحالي مقاليد الأمور في البلاد، وتعيين سمو الشيخ حمد بن جاسم وزيرًا للخارجية، الذي برع في العزف على (سيمفونية) العلاقات الدولية، عن طريق الانفتاح على الغرب والشرق على حد سواء، فلقد أضحى الدور الإقليمي لدولة قطر في الآونة الأخيرة محط اهتمام الصحافة الأجنبية والعربية التي أخذت تتناول هذا الدور بأسلوب أثار حفيظة بعضٍ.

ففي ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية في العالم الذي أصبح يعيش تحولات متسارعة لا تزال تحمل المزيد من المفاجآت، أعادت هذه الظروف تشكيل وصياغة السياسية الخارجية للدول على نحو مختلف كما كان عليه الوضع قبل نهاية مرحلة الحرب الباردة. وبالفعل شهد العالم بعد هذه المرحلة عدة متغيرات دولية كان من أبرز سماتها انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بإدارة معظم القضايا الدولية بشكل احتكاري وبتحكمها الانفرادي في إدارة أزمات الشرق الأوسط منذ أزمة الخليج عام 1991م، وتزايد حجم ونوع التأثير والتدخل العسكري الأجنبي في شؤون العديد من دول العالمين العربي والإسلامي.

فخلال الاثنتي عشرة سنة الأخيرة، وفي ظل الظروف الدولية الجديدة برز الدور القطري في الساحة الدولية؛ لما تتمتع به من ثقل دبلوماسي وقيادة متحمسة لجعل دولة قطر رقمًا مهمًّا على الصعيد المحلي والإقليمي. وأظهرت قطر في الكثير من المناسبات انتهاجها لسياسة معتدلة وعقلانية، بل لقد أطلقت القيادة القطرية العديد من المبادرات السياسية من أجل تخفيف التوتر في العلاقات الدولية، والتقريب من وجهات النظر من أجل الحيلولة من تفاقم الأوضاع في أكثر من قضية وملف سياسي، منها على سبيل المثال:

• دور قطر في القضية العراقية.

• لعبها دورًا مهمًّا في قضية دارفور.

• الجهود المشتركة التي تقوم فيها بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية، ومساهمة قطر الكبيرة التي توجت بتوقيع الاتفاقية الإطارية بين حكومة السودان وحركة العدل والمساواة.

• دور قطر في المصالحة اللبنانية التي أفضت إلى تنصيب العماد ميشيل سليمان رئيسًا للجمهورية.

• دورها في الملف النووي الإيراني الذي يؤرق المجتمع الدولي.

إن دولة قطر لم تسترق يومًا الدور الإقليمي الذي جعلها دومًا في المقدمة، لولا ضعف الدول العربية وترهلها سياسيًّا، وعجزها عن ممارسة ردها في الرد على السياسة القطرية التي تسجل نجاحًا متصاعدًا ملحوظًا في التعامل مع القضايا الإقليمية وتحاول إيجاد حلول لها.

وهكذا أصبحت قطر تمتلك رؤية جديدة للعلاقات الخارجية، في التعامل مع كثير من القضايا بالمنطقة، فقد فهم صانع القرار القطري خيوط السياسة العالمية، وكان رئيسًا وصانعًا لكثير من الأحداث العالمية على الساحة الخليجية والساحة العربية والساحة الدولية، وأسس بالتالي سياسة خارجية ديناميكية ترعى المصالح الإستراتيجية لدولة قطر.

ويعود نجاح هذه الرؤية الجديدة إلى دور القيادة القطرية، وجهودها المتميزة والمستمرة لنهج دبلوماسية تتصف بالجرأة وبالفعالية في معالجة الكثير من الخلافات الدولية والعربية، وكان آخرها نجاحها في إعلان الدوحة الذي نتج منه توقيع المصالحة الفلسطينية بين الرئيسين محمود عباس وخالد مشعل، الذي تكلل بالاتفاق على تشكيل حكومة فلسطينية برئاسة الرئيس عباس، وإنهاء الانقسام بين حركتي فتح وحماس الذي دام خمس سنوات.
رفح في 15/10/2012م.
[email protected]) )

ملفات أخرى متعلفة