إقرأ المزيد <


سوريا.. عندما يكون آخر الدواء الحرب!؟

هشام منور
إثنين ١٥ ١٠ / ٢٠١٢
لن يسعد المتابع للأوضاع على الحدود السورية التركية، وهي الحدود الشاسعة والممتدة على أكثر من 800 كلم، وهو يرى مشهد الاحتقان العسكري وتبادل القذائف بين الدولتين اللتين اتسمت علاقتهما قبل بداية الأحداث في سوريا بالود والدفء، لا سيما بعد وصول حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان إلى السلطة.

انقلاب الأحوال وتبدل الأدوار وتغير الظروف التي جعلت من البلدين يتجهزان لحرب قد تقرع أجراس المنطقة فيها نذر تغييرات استراتيجية، قد تكون الحل الأخير الذي مكن أن تلجأ إليه كل الأطراف المعنية بالشأن السوري، للتخلص من عقم الواقع وانسداد الأفق أمام أي تسوية سياسية تجنب المدنيين الويلات والعذابات، بينما يقاسي الشعب السوري من الويلات حالياً ما لم يقاسه أي شعب آخر في حروب حقيقية جرت على نطاق ضيق.

لا يمكن بحال من الأحوال فصل الحادث الجوي الذي أرغمت فيه مقاتلات حربية تركية طائرة مدنية سورية على تغيير مسار رحلتها من موسكو إلى سوريا والهبوط في أنقرة، عن سلسلة التداعيات والتصعيد العسكري بين البلدين، بعد سقوط العديد من القذائف على قرى تركية، واستصدار حكومة أردوغان لتفويض وضوء أخضر من البرلمان الذي يهيمن عليه حزبه، لشن أي عمل عسكري يرتأيه لحماية الأمن القومي التركي وأراضيه.

ولكن.. ما الذي جعل المؤشر التركي الذي اتصف بضبط النفس إزاء تصرفات أكثر استدعاء للتحرك (كحادثة إسقاط طيارة تركية في البحر المتوسط ومقتل طيارين أتراك) ينفلت من عقاله ويرتفع فجأة في ظل احتدام المعارك والصراع في سوريا؟

بعض أنصار نظرية المؤامرة رأوا في التحول التركي دليلاً جديداً ويومياً على الانتصارات العسكرية "الساحقة" التي يحققها الجيش السوري في "أم المعارك" حلب، والتي سبق أن تعهد مسؤول عسكري سوري أن يتم حسم أمرها خلال عشرة أيام من تاريخ بداية الحشد العسكري عليها قبل ما يقرب من ثلاثة أشهر، وها نحن نودع ما يزيد عن 90 يوماً تقريباً، ولم تزل المعارك محتدمة، وخطوط الإمداد العسكرية تتقطع أوصالها، رغم ما قيل وتم تسريبه من قبل بعض الصحف اللبنانية الموالية عن حشد آلاف الجنود والعديد من القطع العسكرية إلى حلب، لحسم المعركة خلال ساعات قليلة!؟

ما يميز الأزمة السورية (وهي لا تخلو عن مزايا مدهشة يسطرها الشعب السوري كل يوم) أن الاشتباك الجاري والمعارك المحتدمة لم تنجح حتى الآن في شطر المجتمع السوري طائفياً أو عنصرياً أو حتى مذهبياً على الرغم من توفر كافة معطيات ذلك، وفي مقدمته التحريض الطائفي والمذهبي المخيف من قبل قنوات إعلامية جارة وقريبة، لجعل الاصطفاف في سوريا يتمحور حول ثورة سنية في مواجهة الأقلية العلوية الحاكمة، فلا يزال الفصل والاصطفاف داخل المجتمع السوري قائما بين مؤيد ومعارض للنظام.

قد يكون قرب موعد الانتخابات الأمريكية، وبالتالي تزايد الضغط على حلفاء النظام السوري في روسيا لجهة قرب تحرر الولايات المتحدة من عبء الانتخابات الرئاسية عاملاً مساعداً في تطوير الأمور والأحداث، فعامل الوقت لم يعد مساعداً في إدارة الأزمة السورية، التي طالت أكثر من المقبول إلا بالنسبة لمن لا يريد الخير والقوة للشعب السوري.

لا ينقطع الحديث بين السوريين سواء كانوا داخل مدنهم، أو مهجرين نازحين في مدن وبيوت أخرى، أو لاجئين في بلدان الجوار، عن أجواء الحرب التي يرون أنها "وشيكة" و"حتمية" بصرف النظر عن أسبابها وعوامل اندلاعها والمتسبب بها والأهداف من ورائها، بيد أن معظم السوريين يرون في الحرب مع الجارة تركيا "مخرجاً" لما باتوا يقاسونه من ويلات وأزمات معيشية لا تطاق، وهم بذلك يتمثلون المقولة التي تجعل من الحرب وسيلة أخرى من وسائل التفاوض السياسي والحوار الذي انقطعت أوداجه قبل أن يبدأ، فرغم الخلافات السياسية بين السوريين، لكن الأمل يحدوهم في تغيير الواقع ومعطيات القوى العسكرية على الأرض، سواء كانت في صالح أحد الطرفين أو الآخر، الأمل بتغيير الواقع المزري والمأساوي هو الوحيد الذي يمكن أن يضمد جراحات السوريين الذين عجز العالم برمته عن إيجاد حل لأزمتهم المستفحلة.

ملفات أخرى متعلفة