"الإسلاميون ونظام الحكم"...ملاحظات على هامش المؤتمر

د. عدنان أبو عامر
الاثنين ١٥ ١٠ / ٢٠١٢
مازال صعود الإسلاميين في المنطقة العربية يشكل بؤرة اهتمام لمراكز الأبحاث ودوائر صنع القرار، محليًّا إقليميًّا ودوليًّا، وسيبقى يشغلها حتى إشعار آخر، إلى أن تضع الثورات العربية أوزارها، ويتبين الحيز الجغرافي الذي يحتله الإسلاميون في طول البلاد وعرضها.

وكلما أنجز كاتب السطور ورقة بحثية أو مقالًا تحليليًّا حول هذه الظاهرة فوجئ أنه ملزم بإجراء تعديلات وتحديثات عليها، من حين لآخر؛ لأن التطورات المصاحبة لتبوء الإسلاميين مواقع متقدمة في خريطة المشهد السياسي العربي تبدو (دراماتيكية) فعلًا، ولا يستطيع باحث _مهما أوتي من ملكات البحث والتحليل_ أن يوفي الظاهرة حقها، من خلال ورقة علمية محكمة.

وقد كان لي شرف المشاركة في المؤتمر النوعي الذي دعا إليه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة بعنوان: "الإسلاميّون ونظام الحكم الديمقراطيّ.. تجارب واتّجاهات"، من خلال بحث علمي تناول تجربة حركة حماس في الحكم؛ كونها متقدمة من الناحية التاريخية على سواها من التجارب الأخرى.

وربما قدر لي المشاركة في العديد من المؤتمرات المحلية والإقليمية التي تناولت أمورًا شتى، وقضايا مختلفة، لكن المؤتمر المذكور كان له مذاق ولون ورائحة مختلفة عن سواها التي صاحبت المؤتمرات السابقة، في الشكل والمضمون، والاستنتاجات التي خرجت بها، على النحو التالي:

1- شكل المؤتمر تظاهرة علمية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، جمعت كل الأضداد، ومثل أنموذجًا للقدرة على تعايش الأفكار المتناقضة، رغم غلبة اللون الإسلامي على المشاركين والحضور، فالمؤتمر يناقشهم، ويستعرض تجاربهم، ويجري تقويمًا لها، ومع ذلك كان لابد من وجود ألوان أخرى تقف على النقيض منهم من: يساريين وقوميين وعلمانيين وغيرهم.

2- حالة التفرد التي تميز بها المؤتمر في أن يكون لديه القدرة على حشد نخبة من صناع القرار في بعض التجارب الإسلامية، السابقة والحالية، بحيث يقدمون "دراسة حالة"، أو "جرد حساب"، بالمنجزات والإخفاقات، المكتسبات والخسائر، وهو ما تجلى في محاضرات الدكتور حسن الترابي عن التجربة السودانية، والمفكر راشد الغنوشي حول الممارسة التونسية، والسيد خالد مشعل بخصوص واقع حماس في فلسطين.

وكان لهذه المداخلات وقع إيجابي، رغم ملاحظة هنا وهناك، مع نجاح المؤتمر بالخروج من التنظير الفكري والحديث الإنشائي إلى التطبيق العملي والسلوك الميداني، وإخضاع التجارب لـ"مبضع" المناقشين، ممن قسا بعضهم على بعض، فخرج من هالة "التقديس" للشخوص، والارتقاء بالجو العلمي البحت.

3- كأن الغزارة والكثافة التي تميز بها المؤتمر اضطرت القائمين عليه لتوزيع المحاور على قاعتين متجاورتين لكسب المزيد من الوقت، وكان هذا جيدًا من الناحية الإدارية الوقتية، لكنه حرم الكثيرين _وكاتب السطور منهم_ متابعة تجارب غنية ثرية.

وبالتالي اضطررت في بعض الأحيان إلى حضور نصف جلسة هنا، والنصف الآخر هناك، انطلاقًا من القاعدة القائلة: "ما لا يدرك كله، لا يترك جله"، وهنا يمكن الإشارة إلى أن البديل الأكثر ملاءمة في مؤتمرات قادمة إطالة أوقات الجلسات في ساعات المساء، أو تمديد المؤتمر يومًا آخر إضافيًّا، مع إدراكي للأبعاد المصاحبة للبديل الثاني.

4- إحاطة الأوراق المقدمة والأبحاث العلمية بمعظم الممارسات الإسلامية المعاصرة أضفى على المؤتمر طابعًا من "تلاقح التجارب"، وانتقالها، من قطر لآخر، مخترقة حواجز الجغرافيا السياسية، وهو ما بدا واضحًا في استفادة الإسلاميين من نجاحات أشقائهم وإخفاقاتهم في تجارب سابقة ولاحقة.

ومع ذلك، كان بودي توفر تقويمات لتجارب إسلامية لم تكن حاضرة في المؤتمر كالكويتية والإيرانية والجزائرية والصومالية، وهي غنية وثرية بالدروس والاستخلاصات الغاية في الأهمية والخطورة، وهنا افتقدت شخصيًّا حضور بعض الأسماء المرموقة في تجارب العمل الإسلامي المعاصر، ممارسة وتقويمًا ونقدًا.

5- كان لابد عقب انقضاء المؤتمر وانتهاء أيامه الثلاثة توفر إصدار يجمل أوراقه العلمية وأبحاثه المحكمة، وهنا يمكن الإشارة إلى أن توزيع الأوراق الخاصة بكل جلسة لم يغن البتة عن توزيع كتاب في بداية المؤتمر يشمل بين دفتيه جميع الأبحاث والأوراق؛ لما له من أهمية وفائدة جمة طويلة الأمد.

أخيرًا، هذه الملاحظات التقويمية لمن شارك في المؤتمر، وواكبه منذ بداية التحضير له، تقدم له شهادة تقدير من العيار الثقيل؛ لأنه قد يكون من المناسبات القليلة التي يجتمع فيها التنظير مع التطبيق، وتفتح الأروقة لقول كل شيء دون حواجز، ولعل ما تخلل المؤتمر وأعقبه من مقالات وتحليلات تناقش يومياته يعطي تلك الشهادة قبل وصول هذه السطور إلى حيز النشر.

ملفات أخرى متعلفة