أيامٌ بِعُمر التاريخ

د.محمود العجرمي
الأربعاء ١٠ ١٠ / ٢٠١٢
تحتفلُ غزةَ العُظمى _رغم اكتوائها كل يوم بوهج النار ومرارة الظلم والحصار، وحُنوّها على أهلها بما يحفظ لهم الحياة والاستمرار_ بلحظة لا تنسى حين نجحت كتائب "عز الدين" في توجيه لطمةٍ نجلاء لِصَلَف قوات العدو الحمقاء، وفي صَفْعِه ورسم علامة فارقة لا تُمحى على "أمنه الحصين"؛ فاخترقته، ولم تزل أجهزته على اختلاف ألقابها تأن تحت وطأة هذا الدُوار.

يعود القسام لِتَوِّه من جَبلة الشام، وتراه في تجواله في أحراش يعبد، يعيد تنظيم قواته وَتَفَقُّدِ مجاهديه، استعدادًا لنزالٍ جديد.

اليوم تحتفل غزة، قَلعَة الصمود والمقاومة، وكل مدن وقرى ومخيمات فلسطين المحتلة وشعبها في الوطن والشتات الذي قرر العودة مهما طال الزمن، بنصر "وفاء الأحرار" وعملية "الوهم المتبدد".

وتؤكد أوساط العدو السياسية والعسكرية أن صفقة إطلاق سراح 1050 من أسرى الحرية إنجاز تاريخي لـ"حركة المقاومة الاسلامية - حماس"، التي نجحت بشكل فذ في المزاوجة بين إدارة الشأن العام للسلطة الوطنية الفلسطينية، ورفع راية المقاومة خفاقة حتى دحر الاحتلال عن كل الوطن الفلسطيني.

نعلم جميعًا أنه في أقل من ثلاثة أشهر من منح أغلبية الشعب الفلسطيني الثقة للحركة في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية أوائل عام 2006م، نفذت عملية "الوهم المتبدد" باختراق موقع العدو الحصين جنوب قطاع غزة، وتدميره وقتل اثنين من جنوده، وأسر جلعاد شاليط، وجرح عدد من جنوده، وإعطاب آلياته. جرى ذلك كله خلال 28 دقيقة فقط وسط ذهول قياداته وشللها التام، وقد اجتاح المجاهدون تحصيناته من تحت الأرض نقيض ما كان يتوقع، والعودة إلى قواعدهم وقد استشهد عدد من أبطال العملية.

أما رئيس الأركان الصهيوني فقد اعترف بإفلاس أجهزته الثلاثة: (الشاباك والموساد وأمان)، وكل عيونه الأرضية وتقنياته المتطورة والتقارير التي كانت تتقاطر من أجهزة الولايات المتحدة الأمنية ونظام المخلوع مبارك، وكل محاولات الإغراء والحملات الإعلامية والنفسية التي شنها العدو في الأوساط الجماهيرية في قطاع غزة.

العدو لم يفلح في الحصول على معلومة أمنية واحدة حتى الانتهاء من عملية التسلم والتسليم بالتمام والكمال.

لقد نجح مجاهدو "عز الدين" و"الضيف" و"الجعبري" في إخفاء الجندي المستوطن الفرنسي خمس سنوات في مساحة مفتوحة ضيقة، ما شكل إعجازًا أمنيًّا قل نظيره في التاريخ.

إن أول الدروس من هذا النصر الأمني المقاوم والإستراتيجي يتمثل في أنه حصادٌ للتماسك البنيوي للتنظيم "الحمساوي" أمنيًّا وعسكريًّا وإيمانيًّا ووطنيًّا وثقافيًّا. هذا ما نقلته الصحافة الصهيونية وتقارير مؤتمر (هرتسيليا)، بل أيضًا أضافوا عاملًا هامًّا، وهو حجم الحركة ووزنها والتفاف الجماهير حولها والاستعداد العالي لأية تضحية مهما غلت، دفاعًا عن الثوابت الوطنية حتى إطلاق الأسرى الأماجد.

ويؤكد تخبط العدو أن الحصار على غزة العِزّة لم يكن قط عائدًا إلى أسر الجندي، بل إنه يعود إلى تولي حركة حماس سدة الحكم بكل ما يعنيه، أنموذجًا مقاومًا لشعب معطاء.

وكما قالت الصفقة إنه بالمقاومة وحدها يمكن إطلاق سراح أسرانا الأبطال، واستكمال تحرير الوطن المحتل.
وفي هذا تقول "حماس" إن الأسرى والإنسان الفلسطيني هم مقدمة برنامجها الوطني الذي يتخذ المقاومة سلاحًا أكدت مضاءه تجارب الشعوب التي أنجزت استقلالها التام.

وأشارت محطات إدارة المفاوضات غير المباشرة على مدى هذه السنوات إلى حنكة المفاوض الفلسطيني، وطول نفَسه، ودقته، وفهمه لتكتيكات العدو وغطرسته وعقليته المراوغة، خاصة أن الوسيط المصري في عهد الرئيس البائد رَوَّجَ منذ البدء أن الاحتلال لن يقبل إطلاق سراح ما معدله 70 أسيرًا في أكثر التقديرات تفاؤلًا وبأحكام متواضعة.

ولكن المفاوض الحصيف يملك أوراق قوة يُعتد بها، فالأسير في مكان آمن، والمقاومة في الميدان، والشعب مستعد لكل الأثمان.

غزة وكل فلسطين تحتفل اليوم بالعرس الوطني الوحدوي الذي أكدت فيه حركة حماس أنها لا تفرق بين أسير وآخر؛ فجاءت الصفقة الإنجاز لتطلق مناضلين من كل فصائل الطيف السياسي، بل أيضًا كسرت "محرمات" العدو وبالجملة، فكان بين المحررين رفاق من الجولان ومن فلسطين المحتلة عام 1948م، ومن قيادات الصف الأول وعمداء الأسرى، وكُثُرٌ ممن قتلوا جنودًا ومستوطنين تزين صدورهم نياشين العديد من المؤبدات.

أهم ما تجلى في هذا الانتصار الإستراتيجي تحقق الوحدة الوطنية في الميدان؛ ليخرج الشعب عن بكرة أبيه لاستقبال فلذات كبده الأعز، مُعلنًا فخره ودعمه للمقاومة، وقد ارتفعت أعلام كل الفصائل في شوارع القطاع، بدءًا من بوابة صلاح الدين حيث عبر القائد لتحرير القدس وتلاه رجال المقاومة، وموعدهم القدس إن شاء الله.

الشعب الفلسطيني يعلم يقينًا أن الانقسام ناجم عن ضغوط (إسرائيلية) أميركية، وأن مواجهتها هو الممر الوحيد والإجباري لإنجاز استعادة الوحدة الوطنية وتحصين القلعة، وذلك لا يتم بالهروب إلى عبث المفاوضات البائس، وإنما بالعودة إلى بيت الشعب الذي يحتضن المقاومة، ويقدم لها كل الثقة والدعم.

ملفات أخرى متعلفة