تحذيرٌ لأُولي الألباب من الاحتجاب والحُجَّاب

أ. د. خالد الخالدي
السبت ٠٦ ١٠ / ٢٠١٢
يتعمَّدُ كثيرٌ من الحكام والمسئولين، في ديار العرب والمسلمين، أن يحجبوا أنفسهم عن رعيتهم، في قصور مشيدة، أو في غرف بعيدة، أو في سيارات مظللة جديدة، أو بحُجَّابٍ وحراساتٍ شديدة، ولابد للوصول إليهم من رشى عديدة، تُدفع إلى الحُجَّابِ، أو إلى مسئولين في الحكومات العتيدة، وهكذا يشقى العباد، ويعمّ الفساد، ويبقى الظلم ويزداد، وتكثر على الحكام والمسئولين الأحقاد؛ فتندلع الثورات الشِّداد، وتُلحِق المتكبرين المحتجبين بفرعون وعاد.

وقد نهى ديننا العظيم عن احتجاب المسئولين عن ذوي الحاجات، فقال النبي الكريم (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم): "من ولّاه الله من المسلمين شيئًا، فاحتجب عن حاجتهم، ودائهم، وفاقتهم، احتجب الله يوم القيامة عن حاجته وخلّته وفاقته""

وقد اضطر بعض الصحابة والتابعين من الخلفاء والمسئولين أمام ضغط العمل الإداري أن يتخذوا الحجاب في بعض الأحيان، دون أن يحتجبوا عن الناس، لكن قلوبهم كانت تهتز، وعيونهم تنهمر بالدموع عندما يُذَكَّرون بهذا الحديث، فيوصون حجابهم بعدم منع أحد من الدخول عليهم، ويبرءون إلى الله من منعهم الناس، فقد أقبل رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقال له "أبو مريم" غازيًا، واستأذن على معاوية بدمشق حين مر بها، فلم يجد أحدًا يأذن له، فقال لبعض من على الباب: "أما منكم أحد رشيد يقول لأمير المؤمنين: "ها هنا أخوك أبو مريم"؟!"، فقال معاوية: "ويحكم حبستموه!، ائذنوا له"، فلما دخل عليه، قال معاوية: "مرحبًا، ها هنا ها هنا يا أبا مريم"، فقال أبو مريم: "إني لم أجئك طالب حاجة، ولكني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: (من أغلق بابه دون ذوي الفقر والحاجة أغلق الله عن فقره وحاجته باب السماء)"، فأكبَّ معاوية يبكي، ثم قال: "رُدَّ حديثك يا أبا مريم"، فردّه، ثم قال معاوية: "ادعوا لي سعدًا"، وكان حاجبه، فدُعي، فقال: "يا أبا مريم، حدثه أنت كما سمعت"، فحدثه أبو مريم، فقال معاوية لسعد: "اللهم إني أخلع هذا من عنقي، وأجعله في عنقك، من جاء يستأذن عليَّ فأذن له، يقضي الله على لساني ما قضى."

وقال القاسم بن مخيمرة: "دخلت على عمر بن عبد العزيز وفي صدري حديث يتجلجل فيه، أريد أن أقذفه إليه، فقلت له: "بلغنا أنه من وُلِّي على الناس سلطانًا فاحتجب عن فاقتهم وحاجتهم احتجب الله عن فاقته وحاجته يوم يلقاه"، فقال: "ما تقول؟!"، ثم أطرق طويلًا"، قال (الراوي): "فعرفتها فيه، فإنه برز للناس".
وقلد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) سعد بن أبي وقاص الكوفة، فقضى فيها زمانًا بغير حاجب، ثم اتخذ حاجبًا، فعزل عمر حاجبه. وكان عمر بن الخطاب إذا بعث عاملًا اشترط عليه أربعًا: لا يركب البراذين، ولا يلبس الرقيق، ولا يأكل النقي، ولا يتخذ حاجبًا ولا يغلق بابًا عن حوائج الناس وما يصلحهم.

ودرس فقهاء المسلمين موضوع اتخاذ الحجاب، وأجازوه لحاجات متعلقة بالإدارة والتنظيم، وحفظ أوقات المسئولين، ولإقدام الخلفاء الأوائل على ذلك، ولأنهم وجدوا أن وجود الحجّاب لا يعني الاحتجاب، بل يمكن أن يقابلوا _وبتنظيم من الحجاب_ كل من يريد مقابلتهم، لكنهم لاحظوا أن بعض الحجاب يتصرفون حسب أهوائهم ومصالحهم، فاشترطوا أن يتوافر في الحاجب صفات معينة، وبينوا أنها نوعان: واجب ومستحب، فأما الواجب فثلاثة: العدالة والعفة والأمانة، وأما المستحب فخمسة: أن يكون حسن المنظر، وجميل المخبر، وعارفًا بمقادير الناس، وبعيدًا عن الهوى والعصبية، ومعتدل الأخلاق، بين الشراسة واللين.

وقد أدرك ملوك العجم ضرورة عدم الاحتجاب عن الناس، وعدّوا ذلك من العدالة، إذ تروي مصادرنا أن من عادة ملوك الصين أن يجعل أحدهم في الطريق القريب من باب بيته ناقوسًا، يصل إليه الناس بسهولة، وعندما يسمع الملك صوت الناقوس يأمر بإدخال المظلوم، ويستمع إليه، ويرفع عنه الظلم، وقد فعلوا ذلك حتى لا يحول الحجاب بين الملك والناس.
وروي أن أحد ملوكهم قد أصيب بالصمم، فبكى طول يومه، فاجتمع إليه وزراؤه، يواسونه ويحثونه على الصبر، فقال: "أمَا إني لست أبكي للبلية النازلة بي، ولكني أبكي لمظلوم بالباب يصرُخُ ولا أسمعُ صوتَه"، ثم قال: "أما إذ ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب، نادُوا في الناس ألّا يلبَسَ ثوبًا أحمرَ إلا متظلمٌ"، ثم كان يركب الفيل طرفَيْ نهاره، وينظر هل يرى مظلومًا.

وبَغّض علماؤنا في احتجاب المسئولين، فقال خالد القسري: "لا يحتجب الوالي إلا لثلاث خصال: إما رجل عيِّيّ فهو يكره أن يطّلع الناس على عيِّه، وإما رجل مشتمل على سوء فهو يكره أن يعرف الناس ذلك، وإما رجل بخيل يكره أن يُسأل"، وواسى ميمون بن مهران المؤمنين الذين صدهم الحجاب، فقال: "إذا أتى رجل باب سلطان فاحتجب عنه، فليأت بيوت الرحمن، فإنها مفتَّحة، فليصلِّ ركعتين وليسأل حاجته".

فيا أيها المسئولون المحتاجون إلى رحمة الله في الدنيا والآخرة، المحبون للعدل، الراغبون في الذكر الحسن، والدعاء المخلص في ظهر الغيب؛ لا تحتجبوا عن الناس.

ملفات أخرى متعلفة