لماذا الانفتاح على "حماس" الآن؟

هشام منور
الثلاثاء ٠٢ ١٠ / ٢٠١٢
بصرف النظر عن مدى "جدية" الرغبة التي أعلنت عنها ودعت إليها مجموعة الأزمات الدولية الغربية للانفتاح على حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في هذا التوقيت الحرج من عمر الحركة والمنطقة، في الوقت نفسه، إلا أنها دعوة يجب التوقف عندها ملياً وتحليل دوافعها والغاية منها في ظل دعوات سابقة لم تلق القبول أو الاستجابة المعقولة من قبل ذات الجهات المدعوة في تقرير مجموعة الأزمات الدولية الأخيرة.

"مجموعة الأزمات الدولية" حضت الغرب على الانفتاح على حركة "حماس"، مشيرة إلى أهمية الدور الذي يمكن الحركة أن تلعبه في المستقبل الفلسطيني في مرحلة ما بعد "الربيع العربي". وقالت: "ينبغي على الولايات المتحدة وأوروبا اختبار إن كان بوسعهما اغتنام الفرصة التي وفرها تطوران مترابطان: أولاً استلام حركات إسلامية السلطة (خصوصاً في مصر)، وهي حركات حريصة على تحسين علاقتها مع الغرب وترغب بالاستقرار وتبعث بإشارات مفادها أنها لا ترغب بجعل القضية الفلسطينية - الإسرائيلية أولوية، وثانياً المناظرات الداخلية المكثفة التي تحدث داخل حماس في شأن اتجاه الحركة".

محاولة استغلال الأوضاع الاقتصادية لدول الربيع العربي التي جاءت بالإسلاميين إلى هرم السلطة في عدد من الدول العربية كمصر وتونس، تبدو وكأنها محاولة لسلب الشعوب العربية حرية الاختيار وصوابية التوجه الذي برهنت عليه صناديق الاقتراع الأخيرة، في انتخابات شهد القاصي والداني بنزاهتها وشفافيتها، أو الإيحاء بأن ما جرى وتم كان بإيعاز وتوجيه وموافقة ورضا أمريكي وغربي، لولاه لما سمحت القوى التقليدية ومنها المؤسسات العسكرية في الدول العربية "لمسلسل" وصول الإسلاميين أن يتم، وهذه كلها "أطروحات" لم تكتسب بعد أي مشروعية ولم تنل سوى الاستماع دون البرهنة عليها في كثير من المواطن، لا سيما أن الموقف من الكيان الإسرائيلي والقضية الفلسطينية لا يزال محافظاً على نفسه لدى قطاعات واسعة من التيارات الإسلامية التي وصلت إلى الحكم ولا سيما في مصر، الجارة الأقرب إلى فلسطين.

أضافت المجموعة في سياق حديثها عن الحراك الجاري داخل الحركة فلسطينية الهوية، إسلامية الجذور (حماس)، أنها تتوقع أن "تستمر الحركة بلعب دور حيوي في السياسة الفلسطينية، ما يؤثر في احتمال تجدد المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية، وكذلك على احتمالات نجاحها". وأوضحت: "أن توحيد الضفة الغربية وغزة ليس أمراً مرغوباً فحسب، بل ضروري لتحقيق حل الدولتين، كما أن الانفصال الجغرافي مصحوباً باستمرار العزلة الاقتصادية لغزة يحتوي بذور المزيد من الصراع مع "إسرائيل". لهذه الأسباب، حتى لو كانت حماس عرضة للتأثير من أطراف ثالثة، فإن على الغرب ألا يبالغ في تقدير نفوذه، فالحركة الإسلامية غير متيقنة وفي حال تحوّل، لكنها لن تتنازل عن مواقفها الأساسية، إذ إن محاولة إجبارها على قبول شروط (اللجنة) الرباعية أمر مرفوض تماماً. بدلاً من ذلك، فمن خلال العمل بالتنسيق مع مصر وآخرين، على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الشروع في تحقيق تغيرات لا تقتصر على التصريحات العلنية، وذات قيمة عملية ولا تشكل عبئاً مرهقاً لحماس".

تقرير مجموعة الأزمات الدولية "يغمز" من جهة حالة الانتخابات التي تشهدها الحركة، وانعكاس أحداث الربيع العربي عليها للمراهنة على تحولات "جذرية" أو "نوعية" يمكن من خلالها انتزاع تنازلات مهمة على صعيد التفاوض على مستقبل فلسطين مع الكيان الإسرائيلي، خاصة أن التكهنات تدور حول تغيير متوقع لرأس المكتب السياسي في ظل تمسك الرئيس السابق أبو الوليد (خالد مشعل) بعدم الترشح للمنصب فاسحاً المجال أمام دماء جديدة ورؤى متوائمة مع المتغيرات الحاصلة، على حد تعبيره، وهو أمر يغفل "تراث" الحركة ونضالها الطويل في مقاومة الضغوط الغربية والخارجية لانتزاع أي تنازلات منها، كما يحاول تصوير أن العمق الاستراتيجي للحركة في مصر والمتمثل في حركة الإخوان المسلمين، سوف ينجح في زيادة الضغوط على مواقف الحركة بدلاً من أن يدعمها ويساندها، وكلها "تخرصات" لا يمكن التعويل عليها، من وجهة نظرنا، وإلا سوف تكون النتيجة "كارثية" على كلا الطرفين، السند والمسنود.

لا جديد في الموقف الغريب البراغماتي إزاء الحركة المرشحة لتبوؤ عرش المشهد السياسي الفلسطيني كما حدث مع حركة فتح أيام الراحل ياسر عرفات زمن القومية العربية والفكر الناصري، بيد أن المستحدث في مواقف الباحثين الغربيين محاولة استغلال الواقع الانتخابي الذي تشهده الحركة وما قد يتمخض عنه من تبدل في مواقع بعض القيادات الهامة فيها، والمراهنة على ذلك لتسجيل اختراق في الموقف والمبادئ السياسية... اختراق يحسبه الظمآن ماء؟.

ملفات أخرى متعلفة