إقرأ المزيد <


الجهل بالذات والآخر

خيري منصور
سبت ٢٩ ٠٩ / ٢٠١٢
راهن مفكر عربي مُعاصر على أن من قرؤوا مقدمة ابن خلدون من المتعلمين لا يتجاوز عددهم عدد صفحاتها في أحسن الأحوال، وبمرور الأيام وتتابع التقارير عن القراءة وشجونها في عالمنا العربي، أُزيلت كل علامات التعجب أمام ذلك القول الذي ظهر في حينه مبالغاً. وإذا كان لكل حُراك مجتمعي أعراض جانبية مصاحبة له منها الإيجابي والسلبي، فمن أهم أعراض الحراك العربي ما بدأ يتشكل لدى الشعوب من ثقافة قانونية ودستورية، كانت لزمن طويل حكراً على الفقهاء والمشتغلين في هذا الحقل القضائي.

ومن أعراض هذا الحراك أيضاً ثقافة جغرافية لم تُفلح في بثها في النطاق القومي وسائل الإعلام وقنواته. لكن للأسف الشديد كانت تلك الثقافة الجغرافية التي جعلتنا نعرف أسماء المدن وأقصى القرى في ليبيا وسوريا والعراق ومصر وغيرها، هي من قنابل مضيئة ومجازر لا بد أن تُنسب إلى الأمكنة التي حدثت فيها حتى لو كانت مجهولة لدى العربي.

فهل قدرنا أن نحتاج دائماً إلى كوارث سواء من فعل الطبيعة أو من إنجاز التاريخ الغاشم، كي نعرف شِعاب أوطاننا؟ فذات يوم تولى المستشرقون هذه المهمة لأسباب تخص وزارات المستعمرات التي كانت تُرسلهم. ولا أظن أن هناك منّا من يعرفون أسماءً من طراز الطنطورة وكفر قاسم وقبية ودير ياسين، وهي قرى فلسطينية، لولا اقترانها بمجازر مارسها الاحتلال خلال العقود الستة الماضية. وقد يتنطع أحد الناس ويقول لنا ما كان العالم سيعرف أسماء مثل هيروشيما وناغازاكي لولا الدمار الذي لحق بهما من القصف النووي الأمريكي.

لكن ما يتعلق بنا نحن العرب وبتضاريس بلادنا وخطوط طولها وعرضها ويابستها ومائها وجبالها وصحاريها وأَهوارها وأَغوارها، يختلف كثيراً عن هذا التصور الجغرافي المحض، لأن الانتداب والاحتلالات بمختلف أسمائها ومصادرها وصلت إلى أقصى الأمكنة في كل بلد عربي، وعبّدت الطرق لدباباتها وآلياتها العسكرية، وليس تماماً كما عبّد الخديوي إسماعيل الطريق إلى الهرم من أجل أن تمر عليها العربة التي تقل الامبراطورة »أُوجيني«، عندما زارت مصر في عهده.

وما نخشاه هو أن تتحول أسماء مثل ابن خلدون والمتنبي والجاحظ وأحمد شوقي وعباس العقاد إلى أسماء ساحات وشوارع وحوانيت فقط، فلا تعرف الأجيال القادمة ما إذا كان اسم هذا الشارع أو تلك الساحة لمفكر أم للاعب كرة قدم أم لنجم سينمائي، وما تقوله الاختبارات الموسمية التي تُجرى لقياس منسوب الثقافة الوطنية والعامة لدى طلاب الجامعات، يُنذر بكارثة، وكان أول اختبار قد أجراه الراحل لويس عوض قبل عقود عندما حصل على إجابات قدّمها للناس يومئذٍ وكأنها صفعات. منها أن أحد طلاب الجامعة سُئل عن ناغازاكي التي دمرتها القنبلة النووية قائلاً أنه يعرفها بل استغرب السؤال وظنه ساذجاً لأن هذه المرأة - لا المدينة - هي الراقصة نجاح زكي.

ما أثار لدي هذه التداعيات بل الأوجاع، هو أن مثقفاً واحداً قدم تفسيراً للحراك العربي خلال الفترة الأخيرة انطلاقاً من ابن خلدون ومقدمته وتحليلاته وتوقعاته، هذا المثقف إسباني وليس عربياً هو غواتسلو، وقد يتبدد العجب إذا تذكرنا أن أول من اكتشف ابن خلدون رائداً لعلم الاجتماع هم فرنسيون وإنجليز وألمان.

ملفات أخرى متعلفة