إقرأ المزيد <


تنسيق أمني من الطراز الأول

د. أيمن أبو ناهية
خميس ٢٧ ٠٩ / ٢٠١٢
إن محاولة السلطة غسل الجريمة التي ترتكبها بحق الشرفاء من اختطاف وتعذيب ومصادرة أموال وإغلاق المؤسسات المدنية والإعلامية وسياسة تكميم الأفواه وقمع الاحتجاجات وامتصاص الغضب الشعبي ضدها، لتبرئة نفسها منها وتعليق فشلها السياسي والاقتصادي في الضفة على شماعة حركة حماس.

فقد سبق للسلطة أن اتهمت الحركة قبل ذلك بتهم عديدة ثبت عدم صحتها، فتارة تتهمها بأنها حركة خارجة عن القانون تستعمل المساجد لتخزين الأسلحة، وتارة تتهمها بأنها حركة إرهابية محظورة تخطط للانقضاض على السلطة، وتارة أخرى تتهمها بأنها حركة تحريضية تقف وراء الحراك الشعبي المنتفض ضدها في الضفة، واليوم تتهمها بامتلاكها مخابئ وسجونا، والغريب أن ما يسمى بالأجهزة الأمنية لم تلق القبض في المكان على أي شخص لا سجين ولا حارسه، وكل ما تدعيه هو وجود أجهزة اتصال ورايات، التي يمكن اصطناعها لتلفيق التهمة بكل سهولة للحركة.

لربما تمتلك الحركة مخابئ فوق أو تحت الأرض، وهذا شيء طبيعي، كونها حركة مقاومة وملاحقة من الاحتلال وأجهزة التنسيق والتعاون الأمني، لكن المصيبة الكبرى في استمرار الأجهزة الأمنية في حملات الاعتقالات والاستدعاءات التي تطال الشرفاء من أبناء شعبها -أغلبهم من الأسرى المحررين والطلبة الجامعيين والمعتقلين السابقين- لأنها تعمل على نسف جهود المصالحة عن بكرة أبيها وتعميق شرخ الانقسام إلى ابد الآبدين وفاء للتنسيق الأمني وخدمة لصديق أوسلو (إسرائيل.

فقد اشتدت حدة حملات الاعتقالات والمداهمات منذ شهر رمضان الماضي ولا زالت مستمرة إلى اليوم، لم يسلم منها الشباب ولا الشياب. ووفقاً لشهادات أهالي بعض المعتقلين فإن هذه الاعتقالات تأتي بعدما تعرض المعتقلون وخاصة الأسرى المحررين منهم للاستجواب والتحقيق من قبل الوقائي والمخابرات، فور الإفراج عنهم من سجون الاحتلال، إمعانا في القهر والتعذيب وزيادة المعاناة والإهمال، وكلها دروس وتوجيهات عملية وتطبيقية مأخوذة من نظرية التنسيق الأمني، التي تتبناها أجهزة السلطة الأمنية، بدليل تجديد الدعم الغربي والأمريكي للسلطة الفلسطينية، اعترافاً واضحاً بالهدف الذي لأجله وجدت السلطة وهو العمل وفق اتفاقية التنسيق الأمني.

ومما لا شك فيه أن هذه المساعدات المالية الطارئة، وقد سبقها طلب السلطة مساعدات عسكرية وأسلحة، لا تأتي من باب مقاومة الاحتلال والتصدي للاستيطان والتهويد، فهي لم يسبق لها فعل ذلك ولم تجرؤ عليه لارتباطها الأمني الوثيق مع الاحتلال، وإنما تأتي لدعم موقف السلطة الهزيل والمحرج أمام موجة الاحتجاجات العارمة التي جابت محافظات الضفة والتي من المتوقع أن تنفجر بقوة خلال المرحلة المقبلة، حيث فسرت على أنها بداية الربيع الفلسطيني، بسبب حالة الغليان الشعبي في المناطق الفلسطينية التي سأمت سياساتها ووعودها الإصلاحية وعدم جديتها في إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة وإعادة اللحمة الوطنية.

من الواضح أن التظاهرات التي خرجت في مدن الضفة المحتلة لم تخرج في معظمها من أجل غلاء المعيشة والرواتب، بل لرفض سياسة الاعتقالات وتكميم الأفواه وفشل مشروع التسوية والاتفاقيات الظالمة التي كبلت الشعب الفلسطيني واقتصاده وكافة مناحي حياته وكبدته الثمن غاليا تجاه قضاياه ومصيره والتفريط والتنازلات المستمرة في القضايا والثوابت الوطنية، وتعتبر محاولة الأسيرة عبير عودة بإحراق نفسها وسط مدينة رام الله قبل أيام على طريقة "البوعزيزي" رسالة إلى السلطة على ممارساتها التعسفية.

إن حديث الضميري عن امتلاك حماس سجونا في الضفة الغربية، يأتي في سياق تبرير ما تقوم به أجهزة السلطة الأمنية من حملات استئصال مستمرة ضد الحركة في الضفة، من أجل إجهاض خيارها المقاوم في الوقت الذي تفشل فيه السلطة في كل خياراتها التفاوضية.

فالسلطة في أحسن حالها وأحوالها لم تكن يوما مصطفة إلى جانب شعبها وقضيته، بل كانت ولا زالت سلطة مسلطة وعصا تبطش أبناء شعبها وأداة من أدوات حماية الاحتلال ومستوطنيه، وأصبحت أجهزتها الأمنية سيفا مسلطا على رقاب أبناء شعبها المظلوم، وكنا نعتقد أنها ستكون السيف الذي سيحميه من الاحتلال والاستيطان والتهويد، وهو ما ترتب عليه من انقسام في القرار والصف الفلسطيني، وتردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفتح شهية الاحتلال للانقضاض على أراضينا ومقدساتنا والاستفراد بأسرانا ومسرانا وإلغاء حق العودة.

ملفات أخرى متعلفة