إقرأ المزيد <


الكتابة وغابة المفارقات

خالد وليد محمود
إثنين ٢٤ ٠٩ / ٢٠١٢
لماذا نحن نكتب؟ سؤال طالما تعرضت إليه كثيرا وطالما أدهشني وأخذني على حين غرة وأنا بصدد كتابة مقال لأتساءل بالفعل ما الذي يدفعنا معشر الكتّاب للكتابة ؟ هذا السؤال كانت له نكهته وأنا أقرأ مقالة بعنوان " في غابة المفارقات" لكاتبها جان ماري لوكليزو، الحائز على جائزة نوبل للأدب سنة 2008،وقد طرح فيها نفس التساؤلات التي تراودني لماذا نكتب؟ ولكوني أتساءل أن الكتابة لعنة تصيب الكاتب أم هي غواية القلم أم لذة الكتابة وصناعة الأفكار وترجمتها أم هي كل هذه الأشياء مجتمعة؟

يرى لوكليزو أن لكل شخص إجابته عن هذا السؤال، فهناك المؤهلات والوسط والظروف ويفهم لوكليزو أن الظروف تبعث فينا الرغبة في الكتابة والرغبة في تدوين الاحلام الا أنه لم يعد للكاتب منذ أمد صلف الاعتقاد أنه سيغير العالم وأنه سيلد عبر كتاباته نموذج حياة أفضل، فالكاتب برأي لولكليزو أن الكاتب يريد بكل بساطة شاهدا رغم أنه قد يكون في غالب الاحيان ليس الا مجرد ناظر يكحّل ناظريه. لكنه بالمقابل قد يكون الكاتب شاهدا ممتازا عندما يكون شاهدا رغم أنفه عندما يدفع بنفسه ثمن شهادته وتكمن المفارقة أن ما يشهد عليه ليس ما شاهده ولا حتى ما ابتدعه. تكمن المرارة أحيانا في أنه ليس حاضرا وقت المرافعة.

يعتري الكاتب أحيانا الإحساس بالعجز عن التعبير عما يجول في خاطره ، وتأتي لحظات تبتلعه دوامة الإحباطات سيما اذا اقتنع ان كتابته لن تغير شيئا في قضية أراد إثارتها.

لا شك أن الرغبة الحقيقية في الكتابة تكون عندما تنتصر أمام سطوة الذات، التي تذوب في النهاية تحت وطأة فعل الكتابة ذاته. فالرغبة في الكتابة تسمو فوق كل الرغبات، لأنها قفز إلى المجهول، وتجاوز للمحسوب، وخلط للأوراق، وفي كثير من الأحيان مزيج من العقل والجنون..نعم من العقل والجنون!

برأي لوكليز فإن الفعل هو أعز ما يطمح إليه الكاتب، وهو أن يكون فاعلا بدل أن يكون شاهدا. الكتابة والتخيل والحلم كي تتدخل كلماته وابداعاته وأحلامه في الواقع وتغير الأذهان والقلوب وتفتح عالما أفضل. لكن في تلك اللحظة ذاتها هناك صوت يهمس في اذنيك بأن ذلك غير ممكن وأن الكلمات ليست سوى كلمات تحملها رياح المجتمع وأن الأحلام ليست سوى خرافات.فبأي حق يرغب في أن يكون الأفضل؟ هل يتمثل دور الكاتب في البحث عن المخارج؟ ويتساءل لوكليز أيضا: هل يمكن للكاتب أن يفعل بينما هو لا يحذق سوى التذكّر؟.
من هنا أبني على كلام لوكليزو لأقول إننا نمتع أنفسنا أولاً حين نكتب، نهديها أول حروفنا، نناقشها ونشتبك معها حول المسموح به وغير المسموح، نستأذنها في اطلاق جنوننا، وقد نخادعها، نتحايل عليها أحياناً ونستغفلها أحايين أخرى!

هناك من يتسلح بقلمه ليهرب من هموم الدنيا ونكدها ، أو لأنه يريد أن يسمع لحظات السعادة التي ننتشي بها ، فبين الفرح والترح خيط رفيع تقتات عليه الكلمات وتحاوره الحروف .
فالكتابة عالم يشكله كل منا كيفما يرى وكيفما يشاء ويترك للقارئ وحده الحكم على ما يقرأ.

ولا ننسى أن الكاتب يرتطم على مفارقة جديدة: فهو لم يكن يرغب في الكتابة الا لأولئك الذين يقاسون ويتألمون لكي يدرك هؤلاء أنه موجود أي الكاتب والضمير. وتبقى " غابة المفارقات" كما أسماها "ستير داغرمان" هي بالتحديد نطاق الكتابة وهي المكان الذي يتعين على الكاتب ربما أن لا يحاول الفرار منه.

ملفات أخرى متعلفة