شهادةُ النَّاس أدقُّ مِقياس

أ. د. خالد الخالدي
الأحد ٢٣ ٠٩ / ٢٠١٢
إذا أراد حاكم أو مسئول أو راعٍ أن يُقيِّمَ أداءه، ويعلم إن كان محسناً أم مسيئاً، فعليه أن يعرف مكانه في قلوب رعيته، وهل يحبونه أم يبغضونه، وهل يدعون له في ظهر الغيب أم يدعون عليه، وماذا يقولون عنه في مجالسهم الخاصة، وبماذا يشهدون عليه فيما بينهم، فإن وجد أنهم يحبونه ويدعون له، ويشهدون له بالخير، فليعلم أنه من خيار الحكام والمسئولين، وليهنأ، وليحمد الله، وليستمر في حسن الأداء، وليستبشر بالجنة، وبظل الله الذي أعده للإمام العادل يوم لا ظل إلا ظله، وإن وجد أنهم يبغضونه، ويدعون عليه، ويشهدون له بالسوء، فليعلم أنه من شرار الحكام والمسئولين، وليحذر عذاب الله الذي توعد به الظالمين، وليراجع نفسه، وليتوب إلى الله، وليتوقف عن ظلم الناس والتقصير في خدمتهم، وإهمال مصالحهم، وليؤدي إليهم حقهم المؤتمن عليه، أو ليستقيل ويبتعد عن المسئولية.

إن شهادة المسلمين في حكامهم ومسئوليهم هي أدق مقياس على أدائهم، نفهم هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه:( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عليهم، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ)، ومن قوله صلى الله عليه وسلم:( يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم، قالوا بم يا رسول الله؟! قال: بالثناء الحسن والثناء السيئ، أنتم شهداء الله في الأرض)، ومن رسالة بعث بها الخليفة عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- إلى واليه على العراق سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- جاء فيها:" إنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا أَحَبَّ عَبْدًا حَبَّبَهُ إلَى خَلْقِهِ ، فَاعْرِفْ مَنْزِلَتَك مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِمَنْزِلَتِك مِنْ النَّاسِ". وقال رجل لأحد علماء الصوفية:" أنا إذا مشيت في السوق، يقول الناس: انظروا إلى خشوع هذا المنافق، فقال له: اتق اللّه وخف على نفسك، فإن النبي -صلى اللّه عليه وسلم- قال للمسلمين: أنتم شهداء اللّه في الأرض.

ولأن شهادة الناس مهمة ودقيقة اعتمدها الحق عز وجل، وجعلها معتبرة عنده سبحانه، ومحدِّدَةً لمكانة الإنسان في الآخرة، يُفهم هذا من الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه، عن أَنَسِ بن مَالِكٍ قال: مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عليها خَيْرًا، فقال نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عليها شَرًّا، فقال نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ، قال عُمَرُ: فِدًى لك أبي وَأُمِّي، مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عليها خيراً فَقُلْتَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عليها شراً فَقُلْتَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ، فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: من أَثْنَيْتُمْ عليه خَيْرًا وَجَبَتْ له الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عليه شَرًّا وَجَبَتْ له النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ في الأرض، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ في الأرض، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ في الأرض). ومن قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه: ( أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ )، فَقُلْنَا: وَثَلاثَةٌ ؟ قَالَ: (وَثَلاثَةٌ) ، فَقُلْنَا : وَاثْنَانِ ؟ قَالَ: ( وَاثْنَانِ )، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ. ويؤكد صاحب فتح الباري في شرحه لصحيح البخاري أن المقصود بالشهادة هنا هو شهادة الثقات والمتقين. ومن قول الرسول الله صلى الله عليه وسلم:( إذا مات العبد والله يعلم منه سراً، وتقول الناس خيراً، قال الله عز وجل لملائكته: قد قبلت شهادة عبادي على عبدي وغفرت له علمي.)

ملفات أخرى متعلفة