دوافع القلق (الإسرائيلي) من تظاهرات الضفة الغربية

د. عدنان أبو عامر
الاثنين ١٧ ٠٩ / ٢٠١٢
ترددت أصداء التظاهرات المتفاعلة في الضفة الغربية داخل المحافل السياسية والأمنية (الإسرائيلية)، على اعتبار أن "الربيع الفلسطيني" يسيطر على الضفة الغربية، وفي الوقت نفسه متخوفة من تطور الأحداث التي سيطرت على الشارع الفلسطيني إلى شيء أخطر بكثير من غضب جماهيري من غلاء المعيشة، مع تزايد حوادث اشتداد الاضطرابات، وإحراق إطارات السيارات ورشق الحجارة، وفشل مسئولي السلطة في تهدئة الجماهير، فالغضب كبير جدًّا، وقد تعطلت الأعمال التجارية، وآلاف سائقي السيارات العمومية أضربوا عن العمل، وأغلقت الشاحنات المفترقات.

وبات واضحًا لصناع القرار في (تل أبيب) أن الجمهور الفلسطيني يستهدف عدوين اثنين: رئيس الوزراء سلام فياض، والاتفاق الاقتصادي مع (إسرائيل)، اتفاق باريس، وينظرون بقلق إلى التطورات، ويخشون أن يوجه الاحتجاج أساسًا إليها، ما قد يؤدي لنشوء انتفاضة ثالثة، ورغم تفسيرات السلطة لارتفاع الأسعار لم تهدئ روع المتظاهرين فقط، بل أثارت الخواطر أكثر فأكثر، وأدى ذلك إلى دعوات لإلغاء اتفاق باريس، الملحق الاقتصادي لاتفاقات أوسلو، الذي يربط اقتصاد السلطة بـ(إسرائيل).

وإذا كان هذا ليس كافيًا، بسبب الوضع الاقتصادي الصعب للسلطة؛ فإنها غير قادرة على دفع الرواتب كاملة لموظفيها، ما يشعل أكثر فأكثر الأجواء ضد فياض والسلطة، إذ يدعو المتظاهرون لسلسلة من الخطوات كمقاطعة البضائع (الإسرائيلية)، وتشجيع استهلاك المنتجات الفلسطينية، وإلغاء اتفاق باريس، ورفع الضرائب والجمارك على المنتجات المستوردة، والاستثمار في الزراعة بأراضي منطقة "ج"، الواقعة تحت السيطرة الأمنية (الإسرائيلية).

ورغم المشاهد الأصيلة للمتظاهرين العاصفين، فثمة من يشعل نار التظاهرات، ويضفي عليها ألوانًا سياسية، ففي عدد من المدن رُفعت أعلام حركة "فتح" الصفراء، ومسئولون كبار فيها يلقون بالذنب على فياض قُبيل الانتخابات المحلية، ويستغلون كراهية الجمهور له كونه المسئول عن رفع الأسعار، لترجمة ذلك إلى أصوات في صناديق الاقتراع في الانتخابات الشهر القادم.

في السياق نفسه، تنظر (إسرائيل) إلى المنظمة المنافسة، حماس، التي لا تجلس مكتوفة الأيدي، فوسائل إعلامها تغطي بتوسع الأحداث، وكبار مسئوليها يجلدون فياض، والمسئول عنه "أبا مازن"؛ كون الاحتجاج نتيجة السياسة الفاشلة للسلطة، وتنسيقها الأمني مع (إسرائيل).

وهو ما يشير بصورة واضحة إلى ما تشهده المحافل الأمنية (الإسرائيلية) من نقاشات عاصفة، تركزت في التخوف من أن تتحول الاضطرابات والأحداث والاحتجاج المدني المتعاظم في الضفة إلى انتفاضة شعبية، وإذا حصل هذا _كما تخشى (إسرائيل)_ فإن الأمر سيُسرع التدهور في استقرار السلطة إلى حد المس بخدمات الأمن الفلسطينية، ويؤدي لبدء انتفاضة ثالثة حيال (إسرائيل)، ويضعضع جدًّا استقرار حكم فتح في الضفة الغربية، حتى انهياره.

ولديها أيضًا تخوف _إذا بدأت انتفاضة بالفعل_ أن يحاول الفلسطينيون التسلل للمستوطنات، وستتطور أحداث عنف مضرجة بالدماء على محاور حركة السير، وسترشق الحجارة والزجاجات الحارقة على السيارات، ما سيؤدي إلى ردود فعل مضادة من سكان المستوطنات.

وهناك تخوف إضافي من أن تحاول السلطة صرف الانتقاد عنها في محاولة لخوض خطوات من طرف واحد مثل فتح الاتفاقات الدولية، بما فيها اتفاق باريس، الذي يحدد العلاقات الاقتصادية بين الاحتلال والسلطة، والتوجه للأمم المتحدة للحصول على مكانة دولة "مراقبة غير عضو" فيها.

وهنا بالتحديد لن يكون ممكنًا وقف الانجراف الشعبي في الضفة، إلا من خلال نقل منح مالية هامة للفلسطينيين؛ لإنقاذ الاقتصاد المنهار، بعد أن قلص الاتحاد الأوروبي تبرعاته للسلطة على خلفية الأزمة الاقتصادية العسيرة التي تواجه دوله، في حين تؤخر الولايات المتحدة 200 مليون دولار وعدت الفلسطينيين بهم.

وأشارت أوساط عسكرية إلى أن الجيش، وقيادة المنطقة الوسطى فيه، وأجهزة الأمن والاستخبارات تخشى انزلاق الاحتجاجات الفلسطينية على غلاء الأسعار إلى استهداف المستوطنين اليهود في مستوطنات الضفة الغربية.

ولذلك قدم جهازا (الشاباك) و(أمان) تقريرًا لرئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" يحذرانه من تدهور الأوضاع إلى "مرحلة الصفر" في الضفة الغربية، أو لجوء رئيس السلطة محمود عباس إلى حل سلطته، وإعلان فشل خيار الحل السلمي، وإعادة الكرة إلى ملعب (إسرائيل)؛ لتتحمل مسؤولياتها القانونية والإنسانية والاقتصادية إزاء الشعب الفلسطيني أمام العالم بصفتها دولة احتلال، فضلًا عن تخطيط حركة حماس للسيطرة على الضفة بهدوء، إذ تراقب الاحتجاجات من كثب، وتعمل على تأجيجها عن بعد.

ملفات أخرى متعلفة