إقرأ المزيد <


فياض سبب وليس المشكلة

د. أيمن أبو ناهية
جمعة ١٤ ٠٩ / ٢٠١٢
إن الانفجار الذي يحدث الآن في الضفة الفلسطينية من تظاهرات وغضب واحتجاجات شعبية على حكومة فياض ليس كما يعتقد بعضٌ أنه مجرد زوبعة وستزول قريبًا، بل هو نتاج حقبة زمنية سابقة مليئة بالهموم والمشاكل السياسية والاقتصادية المتراكمة على كاهل المواطنين الفلسطيني؛ بسبب الفساد الإداري والمالي والسياسي المتوغل في السلطة، فضلًا عن القبضة الحديدية والتنسيق الأمني المسلم به لمصلحة الاحتلال، فهي (السلطة) لا تريد أن تطهر نفسها ولا تريد أن تتعلم من درس غزة التي ثارت على فسادها وظلمها.

لقد عاش الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع عشرين عامًا هي عمر السلطة دون أن يرى شيئًا قد تحقق على أرض الواقع، واكتشف أن وعود الإصلاح ما هي إلا عبارة عن وعود كلامية وإعلامية رمادية، حتى وصل الحال به إلى مرحلة اليأس والإحباط التي تنادي بها السلطة بين الفينة والأخرى على شكل جرعات تخدير للمواطنين؛ لإسكاتهم وإلجام أفواههم بالراتب المسيس، حتى جعلت من المواطن عبدًا للراتب، تصرفه له وقتما تشاء وتنقصه أو تقطعه كيفما تشاء.

ومعلوم أن ارتفاع غلاء المعيشة المستمر في الأراضي الفلسطينية المحتلة ليس مرتبطًا بزيادة الرواتب، وإنما متماشٍ بالتساوي مع ارتفاع مستوى المعيشة في (إسرائيل)، مع أن الفرق بينهما واضح في قيمة الدخل, وهذا الحديث ينطبق على الأفراد أصحاب الدخل اليومي أو الشهري أو السنوي، لكن ثَم شريحة كبيرة من المواطنين من غير أصحاب الدخل، فإذا كان الموظفون أصحاب الدخل يشتكون ويحتجون على الغلاء وارتفاع الأسعار في المواد الاستهلاكية، فما بال المواطنين غير الموظفين (الباطلين عن العمل والفقراء) الذي لا يملكون قوت يومهم، وأصبحوا ضحايا اتفاقية باريس الاقتصادية؟!.

قد يكون فياض سببًا في تردي الأوضاع الاقتصادية، لكنه ليس المشكلة بحد ذاتها، صحيح أنه لم يوفق في تطبيق خطته الاقتصادية التي وعد بها بنقل الاقتصاد الفلسطيني إلى اقتصاد منتج، لكن مشكلة غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار هي مشكلة السلطة التي ربطت اقتصادها باقتصاد دولة محتلة تخضع لها في كل شيء، لديها اقتصاد قوي ومدعوم.

أما اقتصاد السلطة فهو غير مستقر يعتمد على المساعدات الأجنبية المسيسة، ثم إن غياب القانون والمحاسبة وانعدام المراقبة، التي إن طبقت فإنما تطبق على فئة دون فئة، بمعنى أن قيادات السلطة ومنظمة التحرير والحاشية "الفتحاوية" منزهون عن القانون، ويحل لهم ما لا يحل لغيرهم من المواطنين العاديين، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على وضوح الفساد في قمة هرم السلطة.

وإذا ما أردت استرجاع ملفات فساد السلطة تجدها في أدراج المسئولين عنها، الذين تحولوا من مناضلين إلى مساومين على الوطن والمواطن، فتركوا البندقية جنبًا وأصبحوا يتسارعون على الرواتب والحوافز والمناصب، والاستحواذ على أموال شعبهم التي تأتيه على شكل (كابونات) ومساعدات وإعانات وتبرعات من الخارج، حتى إنهم تسببوا في قطع كثير من هذه المساعدات؛ ليقين المانحين أن المساعدات المالية والعينية تذهب جميعها إلى جيوب القيادات العليا، وأبنائهم وأصهارهم في السلطة ومنظمة التحرير "الفتحاويين"، ومشاريعهم الخاصة، ولا تصل إلى المواطنين المحتاجين للتخفيف من معاناتهم وتطوير حياتهم في ظل الاحتلال.

فالشعب أصبح مقهورًا مما يسمعه عن أرقام فلكية تصرف كرواتب لأعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح تصل إلى 25 ألف دولار شهريًّا تصرف من صندوق الاستثمار الفلسطيني، وربما بعضهم يتقاضى أكثر من ذلك؛ لتوليه منصبًا في السلطة وآخر في المنظمة؛ ليكون حاصلًا على دخل من صندوق الاستثمار وآخر من ميزانية السلطة، كما أن المزايا والمنح وصرف رواتب خيالية لبعض الوزراء المتنفذين، والقيادات العليا في السلطة والمنظمة، ومكتب الرئيس ومستشاريه وحاشيته، التي بإمكانها تغطية جزء كبير من الاحتياجات المالية والنقدية للسلطة التي جعلت الفساد يتحول فيما بعد إلى إفلاس للشعب، وشح للموارد، ويسمونها ضائقة مالية!.

ولنأخذ _مثالًا_ بسيطًا على احتكار الأموال لفئة معينة: الحي الدبلوماسي الواقع على الطريق الواصلة بين رام الله وجامعة بيرزيت هو مدعوم من منظمة التحرير، يحصل فيه الضباط والعقداء والعمداء والوزراء على "فلل" عالية الجودة والإتقان والتصميم وذات مواصفات ومميزات عالية الجودة، دون مراعاة حق المواطنين والشباب في السكن، إذ سقط أحد الجدران الاستنادية في الحي بسبب التسيب وعدم المسئولية، وهو يقدر بتكلفة فاقت آلاف الدولارات، وقد شكلت لجنة تحقيق شكلية في سبب السقوط ولم تخرج بنتائج، وقامت الشركة المقاولة نفسها بإعادة بنائه من جديد وحصلت على مبالغ إضافية، في الوقت الذي تتحدث فيه السلطة عن أزمة مالية تعيشها، ويكون المستهدف فيها المواطن فقط.

وعلى صعيد الكهرباء التي حرمت منها غزة، ها هي خيوط الفساد تصل إلى شركة الكهرباء التي تهدد قوات الاحتلال بقطعها عن أجزاء كبيرة في الضفة، ليس لكرامة تحافظ عليها سلطة فتح أو رفضًا للاعتراف بالكيان كدولة، وإنما لفساد طال مرافق الكهرباء وتسيب السلطة.

وليس بعيدًا عن الكهرباء فإن السلع الغذائية والمحروقات أضافت ضغطًا آخر على كاهل المواطن الذي يتلقى فواتير الهاتف الأرضي غير المفصلة والغامضة؛ لضعف السلطة في متابعة تلك الفواتير كما الهاتف النقال والكهرباء، إضافة إلى إسطوانات الغاز والمحروقات التي لا يشعر بالغلاء فيها إلا المواطن العادي؛ لأن (كوبونات) المحروقات التي بحوزة أفراد السلطة وقادتها "الفتحاويين" تجعلهم لا يهتمون بالزيادات والغلاء؛ لأن أموالًا للشعب هي التي تدفع عنهم ليمارسوا فسادهم.

وإذا ما قارنا بين غزة والضفة نجد هناك اختلافًا كبيرًا بينهما من الناحية الاقتصادية؛ لما تحظى به غزة _على الرغم من الحصار وتدني مستوى المعيشة_ من محدودية الأسعار وانتظامها؛ لوجود نوع ما من الرقابة على التسعيرات، وأيضًا اعتمادها على أولوية استهلاك المنتج المحلي بأسعار مناسبة تضعها الحكومة باستقلالية تامة بعيدًا عن أسعار المنتجات (الإسرائيلية)، إلا في حالة انعدام بعض السلع؛ فهي تكون إما مستوردة أو (إسرائيلية)، مثلًا سعر المحروقات إجمالًا في غزة يعادل نصف سعرها في الضفة؛ لتمسك السلطة باتفاقية باريس الظالمة، أما غزة فتطبق خطة الاقتصاد الحر.

ملفات أخرى متعلفة