إقرأ المزيد <


اقتصاد أوسلو وسلطته العتيدة

ياسر الزعاترة
جمعة ١٤ ٠٩ / ٢٠١٢
في خطبة طويلة مطعمة بالفكاهة، وتبعا لها الإجابة عن أسئلة الصحافيين، منحنا السيد محمود عباس قبل أيام فرصة تذكر الحالة الفلسطينية الراهنة بكل تجلياتها، سياسة واقتصادا وفصائل وانقساما وسوى ذلك من التجليات.

المهم أن الرجل أكد لنا أن كل ما تتعرض له السلطة من تضييق إنما هو نتاج ثوريتها ورفضها لا أكثر (عربيا وإسرائيليا لأن هناك من العرب من يتآمرون أيضا)، ولو وافقت على التوقيع والتفريط لهان كل شيء.

هذا يعني بمفهوم المخالفة أن السلطة ذاتها كانت خلال السنوات الماضية تسير في الاتجاه الذي يريده المحتلون، بدليل النهضة الاقتصادية التي حققتها عبقرية سلام فياض وتغنت بها الدوائر الغربية، وأيضا بدليل تضخم ثروات أبناء المسؤولين وأصحابهم الذين تحولوا من موظفين إلى مستثمرين يديرون “بزنسا” بعشرات الملايين.

المحتلون وأعوانهم كما يبدو اكتشفوا فجأة أنهم حيال سلطة ثورية ستؤدي إن سمحوا لها بالاسترخاء الاقتصادي أن تسحب البساط من تحت أقدامهم، وقد تطردهم من كامل الضفة وقطاع غزة، وربما حررت البلاد من البحر إلى النهر، لاسيما أن الرئيس لا يبدو صادقا حين قال لوفد إسرائيلي إن “(إسرائيل) وجدت لتبقى”، وربما قال ذلك في سياق تمرير خطته السرية لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر، وعلى الأرجح دون رمي اليهود في البحر!!!.

بعد تفكير، عاد القوم إلى رشدهم، فبادر نتنياهو إلى تحويل 62.5 مليون دولار من أموال الضرائب للسلطة إنما هو تأكيد على وفائها لشروط الاحتلال، فضلا عن تعبيره عن خوف الاحتلال من تطور الاحتجاجات على السلطة إلى انتفاضة جديدة.

تحدث الرئيس كثيرا وانتهى إلى القول إنهم صامدون ولن يرحلوا مهما فعل المحتلون، والأهم أنهم سيكبسون على الزر النووي ممثلا في الذهاب للأمم المتحدة من أجل الحصول على عضوية غير كاملة لدولة فلسطين العتيدة، من دون أن يقول للجمهور المتعطش لخطبته بعد احتجاجات الغلاء كيف سيؤدي ذلك إلى تحقيق الدولة كاملة السيادة على الأراضي المحتلة عام 67 بما فيها القدس وعودة اللاجئين إلى الأراضي المحتلة عام 48.

يتحدث فخامته كأنه يتحدث إلى شعب الواق واق الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، وليس إلى شعب هو الأكثر تعليما في العالم، والأكثر تسييسا في ذات الوقت، وكان بوسع أي طفل أن يسأله عن مساره العتيد لتحقيق الأهداف الكبرى التي يتحدث عنها (78 في المئة من فلسطين فقط)، لاسيما حين أعلن بافتخار (يحسد عليه) بأنه ضد المقاومة المسلحة، من دون أن يخبرنا عن رأيه في الانتفاضة السلمية الشاملة التي تعني اشتباكا مع حواجز الاحتلال ومظاهرات عارمة وليس مجرد مظاهرات موسمية لا تؤثر في الاحتلال.

لا جديد فيما ذكر أعلاه، لكنني تذكرته فقط وأنا أقرأ مقالا للكاتبة الإسرائيلية (عميره هس) في “هآرتس” بعنوان الوضع الاقتصادي الراهن لعباقرة أوسلو، والذي أحب أن أشرك القراء ببعض معطياته من باب المعرفة، لأن فيه تفاصيل مهمة كثيرة، سنختصرها ما أمكن.

تقول هس: “استطاعوا في أوسلو أن يكتبوا عقدا يترك ل(إسرائيل) الموارد والسيطرة عليها وسلطات السيد ويمنحوا السلطة الفلسطينية المشكلات والمسؤولية عن حلها، بلا سلطات وبلا موارد. وهكذا جعلوا السلطة الفلسطينية سورا واقيا لحكومة (إسرائيل) من غضب الجمهور”.

بعد ذلك تعدد الكاتبة معالم الوضع الاقتصادي الفلسطيني في ظل الهيمنة الصهيونية بعدد من النقاط هي:
1- تمنع (إسرائيل) غزة من تصدير الإنتاج الزراعي والصناعي.
2- تستغل( إسرائيل) قدر استطاعتها الموارد الطبيعية للضفة الغربية: المياه، المقالع، المناجم في البحر الميت، الأرض الزراعية والمناطق الصناعية ومواقع السياحة والتنزه. فكل زيادة إسرائيلية في الضفة الغربية هي نقصان من الفلسطينيين.
3- تسيطر (إسرائيل) على المجال الإلكترومغناطيسي وتقيد بذلك جدوى وربحية شركات الهواتف المحمولة الفلسطينية وصناعة الهاي تيك الفلسطينية.
4- تمنع( إسرائيل) صيادي الأسماك في غزة من الإبحار أكثر من ثلاثة أميال بحرية.
5- تنافس (إسرائيل) الإنتاج الفلسطيني منافسة غير عادلة: فهي تدعم الماء للمزارعين الإسرائيليين ومن هم في المستوطنات منهم، مقابل تخصيص أقل قدر من ماء الشرب للفلسطينيين. وحينما تزود البيوت في الخليل وبيت لحم بماء الشرب مرة كل شهر فلا عجب من خراب حقول الخضروات.
6- بسبب رفض (إسرائيل) ربط مجموعات فلسطينية في المنطقة ج بشبكة الماء، يتوجب على عشرات آلاف من البشر أن يشتروا الماء من حاويات طوال السنة كلها. ويتوجب في الصيف على مئات الآلاف ممن تجف صنابيرهم أن يشتروا ماءً من الحاويات والنقل يجعل سعره أغلى بثمانية أضعاف وأكثر من سعره على “جيرانهم” المستوطنين.
7- تفرض (إسرائيل) على الفلسطينيين أن يسافروا في طرق التفافية معوجة من جيب إلى جيب أو من كل مدينة إلى قرى وبلدات في المحافظة. وتعالوا نفترض أن المسافة ستطول إلى كل محطة عشرة كيلومترات في المتوسط. فيجب أن يُضرب هذا بستة أيام في الأسبوع مرتين كل يوم على الأقل، في ثلاثين ألف سيارة (من غير أن تشمل نحو 100 ألف سيارة خاصة). وتُقسم الزيادة التي لا داعي لها على الكلفة بين سائقي النقل العام وبين الركاب، وبين سائقي الشاحنات وبين التجار والمشترين. فكم من العيادات تستطيع هذه الزيادة أن تنفق عليها؟ وكم تكلف دافع الضرائب الأوروبي من ملايين اليوروات؟! (انتهى كلام الكاتبة).

هذه هي حقيقة السلطة التي يقدسها رئيسها ويعتبرها إنجازا عظيما للشعب الفلسطيني، ويراها محطة لإقامة الدولة العتيدة، فكيف يمكن التفاهم مع وضع من هذا النوع يصر أصحابه على الإبقاء عليه ولو استمر التفاوض مع العدو إلى يوم الدين؟!.

حماس مسؤولة عن هذا الوضع "العبثي" أيضا ما لم تطرح مشروع إنقاذ للقضية عنوانه سلطة إدارية (فقط إدارية) بالتوافق في الضفة والقطاع تؤكد عدم حرصها على حكم غزة، مع انتفاضة شاملة في كل الأرض الفلسطينية.

ملفات أخرى متعلفة