غزة تستحق متحفاً

أ. د. خالد الخالدي
الأحد ٠٩ ٠٩ / ٢٠١٢
تقاس درجة تحضر المدن ورقيها في عصرنا بعدد ومستوى المتاحف فيها، ويقدر مستوى وعي الشعوب وثقافتهم بمقدار اهتمامهم بزيارة المتاحف في بلدانهم أو في البلدان التي يزورونها، فقد غدت المتاحف مرآة المجتمع.

لذلك تحرص الدول المتقدمة على إنشاء المتاحف الحديثة المتطورة في مدنها المهمة، وتنفق عليها الكثير، وتجعلها وسيلة لشرح تاريخ المدينة في مختلف العصور بصورة عملية مركزة من خلال الآثار والصور والنقوش، التي تُعرض بشكل متسلسل شائق جذاب وشروح مكتوبة أو مسموعة مسجلة، ووسيلة تعليمية تربوية تعمق عند أبنائها حب الوطن والانتماء له، وطريقة لتنشيط السياحة وجلب السائحين، وتحقيق النمو الاقتصادي.

ويستطيع الزائر للمتحف أن يفهم تاريخ المدينة أو الدولة فهماً عميقاً راسخاً سريعاً خلال ساعات يقضيها مستمتعاً بالتجول بين جنبات المتحف وأقسامه.

والدارس لتاريخ غزة منذ أقدم العصور وحتى الآن يجد أنها تستحق بجدارة متحفاً حديثاً كبيراً يليق بتاريخها ومكانتها وجهاد أهلها، ويمكن من خلال هذا المتحف أن تتحقق مكاسب كثيرة، نذكر منها:
1- حفظ آثار المدينة من التلف والضياع والتسرب، إذ سيتولى القائمون على المتحف حفظ ما يحصلون عليه من آثار بطرق علمية تحميها من الكسر أو المؤثرات البيئية، أو اعتداءات لصوص الآثار.

2- زيادة وعي المواطن بضرورة المحافظة على القديم وعدم إهماله أو إتلافه، وكم من آثار أتلفت ودمرت بأيدي أشخاص لا يدركون قيمة الآثار وأهميتها.

3- حفظ ممتلكات ووثائق الشخصيات المهمة لأن بقاءها وعرضها في المتحف مهم ومؤثر جداً في الإفادة من التاريخ لأغراض تربوية، فمثلاً عندما يرى الزائر الكرسي المتنقل للشيخ أحمد ياسين- رحمه الله- الذي كان عليه عندما استشهد، ويرى كيف تقطع بفعل صواريخ طائرات العدو الصهيوني، وينظر إلى عباءته وملابسه الممزقة المضرجة بالدماء، يستوعب حادثة اغتيال الشيخ وترسخ في ذاكرته بصورة أعمق من القراءة عن ذلك الحدث في كتاب، وعندما يرى في المتحف صورة عماد عقل وإلى جانبها سلاحه الشخصي الذي قتل به جنود الاحتلال، وكوفيته، أو معطفه يتأثر بصورة أكبر بكثير من القراءة عن ذلك أو الاستماع إلى محاضرة تحكي قصة عماد عقل.

4- حفظ كل ما يعزز الأحداث التاريخية المهمة، كحفظ بقايا عربات الاحتلال ودباباته وخوذ وملابس جنوده القتلى، وحفظ السيارات المقصوفة، فكم هو مؤثر أن يرى الشباب بعد سنوات أو عقود بقايا سيارة د. المقادمة أو د. الرنتيسي- رحمهما الله- التي دمرتها طائرات الاحتلال عندما تم اغتيالهما. وإنها لخسارة تاريخية كبيرة أن تضيع كل هذه الآثار ولا يُنتبه إلى حفظها.

5- تمكِّن الأجيال الحاضرة والزائرين من التعرف بسهولة وبشكل مختصر ومركز وعملي على تاريخنا منذ أقدم العصور وحتى اليوم.

6- تقدم التاريخ بصورة مختلفة وأكثر وضوحاً من دراسة التاريخ عبر الكتب والمناهج.
7- تعمق حب الوطن والانتماء له في نفوس الأجيال.

8- تشجع على السياحة، وتنعش الاقتصاد، وتزيد التعاطف مع قضيتنا، لأن السائحين اعتادوا على ارتياد متاحف المدن التي يزورونها ليتعرفوا بشكل سريع وممتع على تاريخها، فكيف سيتحقق لهم ذلك إذا لم يكن في غزة متحف؟!

إننا نهيب بالمسئولين في الحكومة الفلسطينية في غزة، وخصوصاً في وزارتي الثقافة، والسياحة والآثار أن يدركوا خطورة أن تبقى غزة بلا متحف، وأن يضعوا نصب أعينهم إنشاء متحف حديث يحكي تاريخ غزة منذ أقدم العصور وحتى اليوم، ونسأل الله تعالى لهم العون والتوفيق.

ملفات أخرى متعلفة