إقرأ المزيد <


حين يصبح الخطاب السياسي فاشلا!

د. أيمن أبو ناهية
خميس ٠٦ ٠٩ / ٢٠١٢
من غير المألوف في هذا الزمان الذي يعتبر زمان ربيع التغيير والديمقراطية أننا نجد أناسا يدعون الوطنية بالاسم وليس بالفعل، وينصبون أنفسهم رؤساء رغم فقدانهم شرعيتهم وإنهاء مدتهم ويجددون لأنفسهم الحكم دون صناديق اقتراع، ويأتي من يضللنا بشعارات قد عاف عليها الزمان ولا يوجد لها مكان، شعارات وأكاذيب خداعة يغشنا بها، تمسكا بالكرسي، وليس كما يدعي تمسكا بالوطنية والقضية الفلسطينية التي ادخلها في نفق المفاوضات لعشرين عاما ولازالت إلى ما شاء الله دون أن يحقق شيئا على ارض الواقع، والغريب لا يعترف أبو مازن بفشله السياسي ويبرئ نفسه منه ويلفق التهمة لغيرة الذي يعتبره عدوه!
والحقيقة أنه ليس عدوه بل كاشف حسبه، فقد حمل حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في مقابلة مع صحيفة "روز اليوسف" المصري فشل سياسته لقوله: "إن تحركات حماس السياسية في الخارج تهدف إلى إضفاء الشرعية على حكمها غير الشرعي لقطاع غزة، بتعريض ما حققه من إنجاز تاريخي بانتزاع شرعية وجود الشعب الفلسطيني وتمثيله من خلال منظمة التحرير الفلسطينية للخطر".

وهنا أتساءل؛ ماذا يقصد السيد عباس بالخطر؟ وقبل هذا، أي شرعية هذه التي حققها السيد عباس للشعب الفلسطيني؟ إذا كان هو أول من اعترف بشرعية دولة الاحتلال وحقها في الوجود منذ اتفاقية أوسلو، وهو مهندسها، وفي المقابل لم تعترف دولة الاحتلال بشرعية دولة فلسطينية وإنما بمنظمة التحرير ممثلا للشعب الفلسطيني، لا بل تنازل عن 80% من فلسطين التاريخية وهو يفاوض منذ عشرين عاما على 20% وطلبه مرفوض إسرائيليا حتى لو فاوض على 2% لدولة فلسطينية، لأن دولة الاحتلال اعترفت لمنظمة وليس بدولة وهذه هي مأساة اتفاقية أوسلو المشؤومة.

وتأكيداً على هذا ما قاله السيد عباس أمام وفد من الحاخامات اليهود المتطرفين في رام الله، قبل عدة أيام، إن "(إسرائيل) وجدت لتبقى لا لتزول"، وعبر عن أمنيته لقاء الحاخام المتطرف عوفاديا يوسف، المعروف بمواقفه العدائية للعرب التي تصل لحد المطالبة بقتلهم وتشبيههم بالأفاعي، وهو من أعطى فتوة لجيش الاحتلال بالحرب على غزة وأباح دم الأطفال.

لا يعقل في أي منطق ولا يصدقه أي عقل بشر، أن السيد عباس يكرم أكثر فئة متطرفة في الكيان الصهيوني بعبارات غير مشرفة لما اقترفوه من مجازر وإباحتهم لدمائنا الطاهرة التي لازالت تزف على أرض فلسطين وتهويدهم لمدننا وقدسنا ومقدساتنا.

أعتقد أنه كلما فشل السيد عباس، كلما حاول أن يفشل الآخرين معه، لأن تحركات عباس الخارجية دائمًا فاشلة وتأتي عكسية ولا تأتي بأي ثمار للقضية الفلسطينية، فقد سمعنا عن تهديداته بالذهاب إلى الأمم المتحدة لطلب العضوية غير الدائمة لدولة فلسطين وتراجع وتنازل عنها، وسمعنا عن التهديد بالاستقالة من منصبه وعدم تجديد لنفسه فترة حكم أخرى وها هو متشبث بالكرسي ولم يتزحزح عنه، وتهديده بالكشف عن المفاجأة الكبرى ولكنه أخفاها (هذا إن كانت بالفعل توجد لديه مفاجأة)، وشرطه الذي ربط فيه العودة إلى المفاوضات بوقف الاستيطان وها هو عاد إلى المفاوضات ورجع منها بخفي حنين وتنازل عن شرطه حتى وصف بـ"رجل التنازلات".

فإذا كان المقصود بالشرعية فمرحبا بمن جاءنا من خلال صناديق الاقتراع وحصل على 70% من الأصوات، وما زال يحمل البندقية ويتجهز للمعركة القادمة ويهرب الأسلحة لذلك الغرض إلى غزة، وأما إذا كان المقصود التضليل فكلنا يعرف الحقيقة أن السيد عباس هو الذي سحب الشرعية عن الحكومة المنتخبة في غزة وبذلك يكون قد أعطى الاحتلال الضوء الأخضر لفرض حصاره عليها لفرض عقاب جماعي على أبناء شعبه في غزة دون أي إحساس، على الرغم أن الحكومة في غزة بقيت ولازالت قائمة على رأس مهام أعمالها وتدير شؤونها رغم الانقسام والحصار.

وأما ما تقوم به سلطة رام الله من اعتقالات واستدعاءات وملاحقة رجال المقاومة فهذا يعبر عن إخلاصها التام لاتفاقية التنسيق الأمني مع الاحتلال، ولم يسعف المصالحة ولا يرفع الحصار عن غزة، حتى وصل الحال إلى التردي السياسي بتعليق السيد عباس فشله على شماعة حماس.

فإذا كان السيد عباس الذي يسمي نفسه رئيسا للشعب الفلسطيني يشرعن وجود الكيان المحتل ويصر على وجوده فهذا يعني شرعنته التامة للاحتلال والاستيطان والحصار والجدار وإلغاء حق العودة وضياع القدس وهذا ليس بجديد فقد تغاضى عن كل هذه الأمور في رسالته لنتنياهو، وهنا تقع المأساة والطامة الكبرى، لأن خطابه السياسي فاشل من أساسه، وكل تحركاته على هذه الشاكلة؛ فهو آخر من يتكلم عن حركة حماس القابضة على الجمر والصابرة على الحصار والتي تخصص الجزء الكبير من تحركاتها وعلاقاتها الخارجية من اجل رفع الحصار وإتمام المصالحة.

ملفات أخرى متعلفة