39
إقرأ المزيد <


فياض.. واجهةٌ للغلاء!

لمى خاطر
ثلاثاء ٠٤ ٠٩ / ٢٠١٢
ثمة تقليد قديم كانت تجنح له الشعوب في مرحلة ما قبل الربيع العربي، حين تضيق بسياسات النظام الحاكم في بلادها، وتتفشى ظواهر اجتماعية أو اقتصادية توجب الخروج عن دائرة الصمت، حيث كان يتم توجيه دفة الضغب باتجاه رئيس الحكومة أو وزراء ومسؤولين بعينهم، فيما يظلّ رأس الهرم في النظام الحاكم بمنأى عن الغضب والانتقاد والمطالبة بالمساءلة، بل ينظر له كمخلّص ويستنجد به لكي يضع حدّا لفساد أو تسلّط رئيس الحكومة!

وقد لزم وقت طويل قبل أن تفطن الشعوب العربية إلى أنّ فساد السياسات الاقتصادية وانعدام الحريّات هو مسؤولية رأس النظام بالدرجة الأولى، وليس فقط المستويات الأدنى في سلطته، وقد ولّى تماماً زمن استسهال تضليل الشعوب وإلهائها بمهاجمة رموز معينة في هرم النظام بهدف تنفيس غضبها، وإحالة أنظارها عن مكمن الفساد وأصل الداء!

يحدث شيء مشابه لدينا الآن في مشهد الاحتجاج والاحتقان ضد حالة الغلاء الفاحش التي تغزو الضفة الغربية والارتفاع المستمر للأسعار وخصوصاً المحروقات، في ظلّ أزمة الرواتب التي لا تنفكّ تتجدد كلّ شهر وتأخذ حيّزا واسعاً من التفكير والاهتمام على المستويين الجماهيري والإعلامي!

فدفّة الغضب موجهة لرئيس حكومة الضفة سلام فياض، وهناك من يحاول أن يبقي الاحتجاج مقتصراً عليه وعلى سياساته، بعيداً عن رئيس السلطة محمود عباس، رغم أن فياض كان ولا يزال خيار عباس وحركة فتح والسلطة كلّها، لعلمهم بأنه بات من مقوّمات بقاء السلطة واستمرارها، كونه خياراً أمريكياً وإسرائيلياً قبل كل شيء، تماماً كما كان محمود عباس حين شغل منصب رئيس وزراء في عهد الراحل ياسر عرفات!

صحيح أنه لم يعد أحد على مستوى الشارع الفلسطيني بمختلف اتجاهاته يناقش في بدهية كون فياض مفروضاً من قبل أمريكيا، وأنه قد ينافس في المستقبل على رئاسة السلطة، لكنّ هذا الأمر -مع ما ينطوي عليه من خطورة- لا يعني أن الأزمة الاقتصادية في الضفة الغربية مسؤولية فياض وحده، بل إنها مسؤولية السلطة بجميع أركانها، وبمرجعيتها قبل كل شيء التي جعلت الاقتصاد الفلسطيني مكبّلاً ومرتبطاً بالاقتصاد الإسرائيلي، والتي ارتضت أن ترهن القرار السياسي مقابل أموال المانحين، وهي خطيئة فتح قبل أن تكون خطيئة فياض، الذي استكمل مسيرة التبعية وحوّل قطاعاً عريضاً من الشعب إلى متسوّل على أعتاب الدول المانحة، وسمح لأن يغدو شريان حياة السلطة مستمداً من نجاحاتها في محاربة (الإرهاب) الفلسطيني. لكن كل هذا ما كان ليحدث لولا مباركة قيادة السلطة وحركة فتح، وتغاضيها عن مسيرة الانحدار الوطني حتى وصلت إلى دركها الحالي.

الحراك الشعبي الغاضب مطلوب ومهم، ومن الضروري أن يتواصل، ولكن ينبغي أن ترافقه مطالب وطنية تتعلق بالقرار السياسي وبالاتفاقات السياسية والاقتصادية التي كرّست التبعية وهيمنت على خيارات السلطة، ومن المهمّ أن يتضمّن حملة توعية تقف بالمواطن على أصول وجذور المشكلة وليس تجلّياتها وحسب. أما الأهمّ من كلّ ذلك فهو البحث عن آليات ضاغطة وكفيلة بإلزام السلطة بالتراجع عن سياساتها الحالية، كأن تتم الدعوة إلى مقاطعة واسعة وشاملة للانتخابات المحلية القادمة، والتي يبدو من السخف الحديث عنها في ظل أزمات اقتصادية مركبة، عدا عما ستسببه من إشكالات وطنية عامة، وانعكاسات على مستقبل التوافق أو حتى إمكانية الرجوع إلى مربعه!

وإن كان قدر الضفة الغربية أن تظل أسيرة حكم ذاتي هزيل في هذه المرحلة، فلا أقل من أن تفهم السلطة فيها أنها ليست مطلقة اليد في العبث بأمن الناس ولقمة عيشهم، أو الهيمنة على خياراتهم، في سبيل ضمان استمرارها وحسب!

ملفات أخرى متعلفة