إقرأ المزيد <


أشباه ثورات وأنصاف رجال!

لمى خاطر
ثلاثاء ٢٨ ٠٨ / ٢٠١٢
هناك من يظن جاهلاً أنه قادر على إشعال ثورة لمجرد أن يحرض أية نوعية من الناس عليها، ولمجرد أن يكتب لها أهدافاً صمّاء، وينظّم دعاية لها على صفحات التواصل الاجتماعي. وهناك من لا زال يتعامل مع المواطن العربي على أنه قابل للانسياق خلف أية فكرة يزيّن لها الإعلام، حتى لو لم يكن مؤمناً بها حدّ الاستعداد للتضحية في سبيلها.

ما يسمى بثورة 24 أغسطس التي دعت لها قوى وشخصيات تنتمي فكرياً للعهد الظلامي البائد في مصر تعدّ أنموذجاً جيداً لمؤشر الفشل والإفلاس الذي يلازم فئة ما زالت تجهل أبسط أبجديات الثورة، وما الذي يلزم لانبعاثها فضلاً عن نجاحها.

لقد أفرزت الثورة في مصر نظاماً سياسياً مغايراً للنظام السابق، وهذا النظام الجديد أتى بالانتخاب أي عبر آلية ديمقراطية، وهي إحدى المطالب التي تضمنتها ثورة الخامس والعشرين من يناير، وبالتالي فتغيير النظام الحالي يجب أن يتمّ بالانتخاب، وبعد أن يكمل مدّته الدستورية لا قبلها، فلا يكفي رفع شعار غبي وساذج يطالب بإنهاء حكم الإخوان وحلّ جماعتهم لكي ينتظم كل كارهي التيار الإسلامي في الثورة المزعومة عليه، لأن هؤلاء سيُرمَون بشبهة إنكار الديمقراطية التي جلبت الإسلاميين للحكم، وسيصبح فعلهم انقلاباً خالصاً لا ثورة على نظام مفسد، فأي نظام حاكم لا بد أن يأخذ فرصته كاملة في الحكم وأن يجرّب من جميع النواحي قبل أن تتشكل العوامل والدوافع التي تشجع على الانتفاض في وجهه، وقبل أن تتشكل حالة إجماع على رفضه تتجاوز حدود الأحزاب والأهواء والنكايات الخاصة، وهذه الحالة لن تتشكل ضد تيار حديث العهد بالحكم، ووصل سدته عبر طريق انتخابي نزيه سلكته جميع الأطياف بعد أن أخذت فرصاً متساوية لتسويق نفسها خلال المعركة الانتخابية.

وإن لم تكن الثورة ذات أهداف عادلة، وإن لم يكن محركوها على قدر من الصدق والشجاعة، وإن لم تكن مطالبها محقّة وتجتمع عليها فئات متباينة ومتعددة، فسيكون مصيرها أن تقبر في مهدها، وليس لعاقل أن يصدّق بأن هناك مأجورين يمكن أن يشعلوا ثورة، وخصوصا إذا ما اكتنف طريقها تضحيات ودماء وآلام، لأن الإقدام والاستعداد للتضحية قيمتان غاليتان عاليتان، ولا يمكن أن يتصف بهما العملاء والمأجورون وذوو الأهداف المشبوهة.

وهذا يتطلب التفاتة في اتجاه معاكس إلى الثورة السورية العظيمة التي ما زال مبغضوها يختزلونها في خانة التبعية لدول النفط حينا، ولأمريكا والغرب حينا آخر، وكأن أية قوة في العالم مهما حازت من مال وقدرات تسليحية تملك أن تحمل عميلاً لها على المغامرة بحياته أياً كان الثمن الذي تعده به. لكنه منطق المفلسين الباحثين عن مسوّغ لإجرامهم وهم يغتالون مطالب الشعوب المقهورة ويسرفون في سفك دمها بلا حدود، وهؤلاء لا يمكن أن يتوقفوا ليتمعنوا في طبيعة الأشياء ومنطقها، وليبصروا الوجه الحقيقي لثورة أنتجها القهر وأدام تقدمها ارتفاع منسوب الاستعداد للتضحية مع استمرار سفك الدم وإنكار مطالب الحرية والكرامة!

فشتان بين ثورات وقودها دم وتضحيات وقادتها رجال حقيقيون ممتلئون صدقاً وإقداما، وبين أشباه ثورات ينادي بها أنصاف الرجال فلا يحدثون غير أصداء إعلامية بائسة، وفضائح ميدانية مضحكة تقدّم المزيد من دروس وعبر الثورات للجاهل والعالم بها على حدّ سواء!

ملفات أخرى متعلفة