دماء غالية

أ. د. خالد الخالدي
الأحد ٢٦ ٠٨ / ٢٠١٢
الدم الأغلى في ميزان الله تعالى هو دم المسلم، لذلك حرَّم الله سبحانه وتعلى قتله، وعدَّه من الكبائر التي ‏تخلِّد مرتكبها في نار جهنم، كما حرم على المسلمين قتل أنفسهم، وتوعد من يقدم على ذلك بالعذاب ‏الشديد يوم القيامة، كما أكد ربنا عز وجل على حرمة دم المسلم ومكانته فيما أوحاه إلى رسوله الكريم ‏من أحاديث إذ يقول صلى الله عليه وسلم: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق}.‏

وتروي المصادر التاريخية أن معاوية بن أبي سفيان-رضي الله عنه- أرسل إلى عمر يستأذنه ببناء ‏أسطول يمكّن المسلمين من ركوب البحر ومقاتلة الروم الذين يغيرون على سواحل الشام ثم يهربون ‏في البحر ولا يستطيع المسلمون منعهم، فبعث عمر إلى واليه على مصر عمرو بن العاص -رضي ‏الله عنه- يطلب منه أن يصف له البحر والسفن، لأنه عاش حياته في مكة والمدينة ولا يعرف عن ‏السفن شيئاً، فبعث عمرو -الذي لم تكن خبرته في البحر أفضل من عمر بكثير- يقول:{يا أمير ‏المؤمنين: إني رأيت خلقاً عظيماً يركبه خلق صغير، ليس إلا السماء والماء، إن ركن خرق القلوب، وإن تحرك أزاغ العقول، إن مال غرق، وإن نجا برق}، فخاف عمر-رضي الله عنه- على ‏المسلمين، وبعث إلى معاوية يقول:{لا والذي بعث محمداً بالحق، لا أحمل فيه مسلماً أبداً، وتالله ‏لمسلم أحب إليَّ مما حوت الروم، فإياك أن تعرض لي، وقد تقدمت إليك}، وعندما تولى عثمان بن عفان -رضي الله عنه- الخلافة، كرر عليه معاوية الطلب، وكان تاجراً يعرف البحر والسفن، فبعث ‏إلى معاوية يسمح له ببناء أسطول، لكنه يشترط أن يخيِّر الناس ولا يجبرهم على ركوب البحر، وقد ‏أنجز معاوية أسطولاً ضخماً هزم به الروم وفتح قبرص وجزراً أخرى وحمى أرض المسلمين.

‏وكتب التاريخ مليئة بالمواقف التي تدل على أن حب الجهاد والاستشهاد لم يمنعا قادة المسلمين في ‏بعض الأحيان من اتخاذ قرار بالانسحاب وعدم المواجهة حفظاً لدماء جنودهم الغالية وأرواحهم ‏الثمينة، فقد انسحب خالد بن الوليد من معركة مؤتة عندما وجد أن الاستمرار في القتال سيؤدي إلى ‏إفناء جيشه، وعدم تحقيق النصر، وقد أقره على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

‏ويروى أن عقبة بن نافع -رضي الله عنه- قد تعرض هو ونحو خمسة آلاف من جنوده أثناء عودتهم ‏مظفرين من فتوح المغرب الأقصى سنة63هـ إلى كمين لقوات مشتركة من الروم والبربر الذين ‏كانوا تحت قيادة كسيلة بن لمزم، وكان عددهم خمسين ألفاً، ولم يكن أمام عقبة وجنوده إلا أن يقاتلوا ‏لأنهم حوصروا، فتمكن الأعداء من قتل عقبة ومعظم جنوده، ثم توجهوا نحو القيروان التي كان ‏يتولاها زهير بن قيس البلوي، ولم يكن مع زهير إلا بضعة آلاف من الجنود، فلما علم بما حدث مع ‏عقبة، وبتوجه جيش كسيلة نحو القيروان، وقف في الناس خطيباً وقال:{يا معشر المسلمين، إن ‏أصحابكم قد دخلوا الجنة، وقد منَّ الله عليهم بالشهادة، فاسلكوا سبيلهم، ويفتح الله لكم دون ذلك}، فلم ‏يعجب هذا الرأي الصحابي حنش الصنعاني الذي كان مسناً حكيماً محباً للجهاد، حيث قال:{لا والله ‏ما نقبل قولك ولا لك علينا ولاية ولا عمل أفضل من النجاة بهذه العصابة من المسلمين إلى مشرقهم، ‏ثم قال: يا معشر المسلمين من أراد منكم القفول إلى مشرقه فليتبعني}، فاتبعه الناس ولم يبق مع زهير ‏إلا أهل بيته، فنهض في أثره ولحق بقصره ببرقه، لكنه عاد سنة 69هـ على رأس جيش تمكن من ‏إلحاق الهزيمة بالروم والبربر وقتل زعيمهم كسيلة وحرر القيروان.

‏ومثلما حافظ المسلمون على جنودهم حافظوا بدرجة أكبر على قياداتهم، وذلك لعلمهم أن استشهاد ‏القادة يضعف المعنويات ويؤثر في صف المقاتلين، فقد روي أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- ‏كان على رأس الجيش الذي توجه لقتال المرتدين في ذي القصة قرب المدينة، فطلب منه المسلمون ‏أن يعود إلى المدينة حتى لا يصيبه مكروه، ويكون الخطر على الإسلام والمسلمين كبيراً، لكنه أبى ‏وأصر إلا أن يكون في مقدمة المجاهدين، فشكا الناس ذلك إلى علي بن أبي طالب -رضي الله-، ‏فجاءه علي وقال له:{أقول ما قاله لك النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، يا أبا بكر: شِم سيفك، ولا ‏تفجعنا بنفسك، وعد إلى المدينة، فوالله لئن فجعنا بك، لا يقوم للإسلام بعدك نظام أبداً}، فعاد أبو بكر ‏إلى المدينة، مثلما عاد إليها عندما طلب إليه النبي العودة، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، فلولا ‏وجود أبي بكر بعد وفاة النبي لفتن المسلمون، ولما قضي على الردة والمرتدين.‏

يتبين مما سبق ضرورة أن يحافظ القادة على أمن وسلامة جنودهم وأنفسهم، وألا يدفعهم حب الشهادة ‏إلى التفريط بأمنهم، وليتعلموا ذلك من سيرة نبيهم وكبار أصحابه الأفضل منا جميعاً والأحرص على ‏الإسلام، والأكثر حباً للاستشهاد، ولتتوقف مظاهر الاستهتار بالأرواح والدماء، وليستفاد من ‏الأخطاء، وكفى لدغاً من الجحر نفسه مرات ومرات، فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.‏

ملفات أخرى متعلفة