إقرأ المزيد <


(إسرائيل) ودولة جنوب السودان.. مياه النيل وأكثر من ذلك!

خالد وليد محمود
سبت ٢٥ ٠٨ / ٢٠١٢
(1)
لقد ارتكزت سياسة الحركة الصهيونية ومن بعدها ( إسرائيل) ممثلة بحكوماتها المتعاقبة على فكرة الاستيلاء على المياه الفلسطينية والمشاركة في المياه العربية وحرمان العرب من الاستفادة من تلك المياه قدر الإمكان، وقد شكلت عملية الاستيلاء جزءا من مفهوم أوسع استند على مبدأ أن أرض (إسرائيل) تتجاوز حدود فلسطين وأن مياهها تصل حتى منابع النيل في الهضبة الأثيوبية. وكان شعار منظري الحركة الصهيونية قائما على " من الماء إلى الماء تترامى حدود الدولة اليهودية" حتى وشحوا به علم (إسرائيل) وحاولوا غرسه في الثقافة والفكر اليهودي. وهو بلا شك شعار يظهر مدى اهتمام الحركة الصهيونية بمياه المنطقة وأطماعها في مياه النيل الذي بقي حلما يراود قادة اسرائيل لغاية اليوم. وأن حدود دولتهم هي مصادر المياه وأن الحدود الطبوغرافية ينبغي أن تتطابق مع مصادر المياه التي سيطرت عليها. ألم يقل بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل بعد قيامها ان الأخيرة عندما تعطى افريقيا أو تساعدها فليس هذا حيالها او لوجه الله ولكنه من أجل المياه؟

ويتضح أن قضية مياه النيل قد واكبت مسيرة الحركة الصهيونية منذ نشأتها لأن المياه بالنسبة لإسرائيل الحياة والزراعة والاستيطان ..الخ، ومن الجدير ذكره أن اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية كانت قد مهدت قيام مرحلة جديدة في العلاقات بين اسرائيل ودول حوض النيل وهي مرحلة يمكن أن يؤرخ لها بتاريخ استئناف العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وزائير في 14 مايو 1982، فمنذ ذلك الحين أخذت إسرائيل في تكثيف جهودها الدبلوماسية لإعادة علاقاتها مع دول القارة وخاصة في الجزء الشرقي منها وأيضا في تلك المناطق التي تقع جنوب الصحراء والمتاخمة للدول العربية. لتأخذ العلاقات منذ ذلك الوقت خطوات متسارعة ومنحى جديدا نحو مد النفوذ الاسرائيلي إلى داخل منطقة حوض النيل التي تعد واحدة من أكثر المناطق الجغرافية أهمية للأمن المصري والسوداني تحديدا إذ تجمع بين منطقة البحر الأحمر ومنابع النيل بكل ما يعكسه هذا الترابط بين أبعاد جيبولتيكية واستراتيجية. وبالنسبة لاسرائيل إكمال طوق التحالفات حول الوطن العربي والتي تمتد من أثيوبيا وكينيا مرورا بدولة جنوب السودان.

الوقائع التاريخية تؤكد أن زعماء الحركة الصهيونية أدركوا ومنذ وقت مبكر أهمية المياه لإنشاء دولتهم في فلسطين حيث تفاهم "هرتزل" مع اللورد البريطاني "كرومر" عام 1903 لتحويل مياه النيل إلى صحراء سيناء لتوطين المهاجرين اليهود فيها، وهذا الطرح المبكر من قبل الحركة الصهيونية يدل على أن الفكر الاستراتيجي كان يتوافر لدى قادتها ومنذ ذلك الوقت وحلم الحصول على مياه النيل يراودهم، ولأهمية ذلك في التفكير الاسرائيلي فقد أدرجتها الحكومات الاسرائيلية في مشروعها "المياه والسلام" الذي اعدته عام 1991 واقترحت فيه زيادة معدل تدفق مياه النيل من أثيوبيا والسودان بنسبة 25% ونقلها الى صحراء النقب بواسطة أنابيب يبلغ طولها 250 كم، وعلى الرغم من أن إسرائيل قدمت هذا المشروع في مرحلة السلام إلا أن وسائل الإعلام الإسرائيلية سربت معلومات عن مخطط أعدته الحكومة الإسرائيلية للضغط على مصر والاستفادة من مياه نهر النيل بكل الوسائل بما فيها العسكرية إذا اقتضى الأمر ذلك. وبهذا نجد أن إسرائيل قد خطت خطوات عديدة ومتعددة في سياستها لوضع اليد على مياه النيل والإمساك بمصر من الخاصرة الموجعة، آخر هذه الخطوات هو سحبها وزير المياه في جنوب السودان يوم الاثنين 31 يوليو 2012 والتوقيع معه أول اتفاقية دولية مشتركة تقضي بـ "التعاون" في مجالي النفط ومياه النيل في حفل كبير أقيم في الكنيست ضمن سلسلة من اتفاقيات التعاون التجاري بينهما.

الملاحظ من هذه الاتفاقية التي تأتي ضمن سلسلة من اتفاقيات التعاون التجاري بينهما، أنه وقعها عن الجانب الاسرائيلي وزير المياه والطاقة عوزى لاندو ونظيره الجنوب سوداني أكيك بول مايوم. وكشفت الإذاعة العامة الإسرائيلية "ريشيت بيت" أن تل أبيب وجوبا وقعتا أيضًا على عدة اتفاقيات عسكرية يتم بموجبها تصدير هيئة الصناعات العسكرية الإسرائيلية لجنوب السودان أسلحة ومعدات عسكرية، بجانب مساعدتها في تنقية المياه، ونقلها لإسرائيل، وتحلية مياه البحر. كما اقترح عوزي لانداو وزير المياه الإسرائيلي إلى جانب المياه، نقل النفط من جنوب السودان إلى المنشآت الاسرائيلية.

نبأ توقيع الاتفاق أثار ردود افعال بالغة الحدة في العالم العربي ، وفي دولة مصر على وجه الخصوص، فقد اعتبرت وسائل الاعلام المصرية الاتفاق بين جوبا وتل ابيب بمثابة "وضع ليد اسرائيل على مياه النيل"، فيما تخوفت وصيفاتها العربية من أن يكون ذلك التوقيع بداية لتغلغل اسرائيل في شرايين الدولة الوليدة.

على الجانب السوداني، كانت العلاقة بين الشمال والدولة الوليدة منذ الانفصال تزداد سوءاً، فلم يكن يمضي شهر إلا ويسجّل اشتباك سياسي ـ عسكري بين البلدين، لتغيب مع هذا التردّي المتواصل في العلاقات أي فرصة لتوقيع اتّفاقيات مائية، حول كيفية تقاسم الحصّة التي كانت مخصّصة للسودان قبل الانفصال، وبات عليه تقاسمها حالياً مع جنوبي السودان. كذلك غابت تحت وطأة الخلافات أي فرصة لتوقيع اتّفاقيات مائية تراعي مصالح السودان.

من المعروف أن إسرائيل استخدمت دولة جنوب السودان ورقة لتحقيق مصالحها هناك، وهذا ما عبر عنه خبير الشؤون الإفريقية الاسرائيلية "متساريا موننا"، بأن العلاقات بين تل أبيب وجنوب السودان ليست جديدة، وتاريخها الحقيقي يعود إلى عام 1967م، ويبدو أن العبء الاسرائيلي في الساحة السودانية لم يتوقف منذ هذا التاريخ، بعد ان استمرت الاستراتيجية الإسرائيلية في توفير الدعم المتواصل بالأسلحة والمستشارين لحركة التمرد في جنوب السودان حتى (في التاسع من يناير 2011م أُجري استفتاء شعبي أسفر عن انفصال جنوب السودان عن شماله، وأُعلنت دولة جنوب السودان المستقلة برئاسة "سيلفا كير" بذلك تصبح (إسرائيل) أول دولة في العالم تعترف رسميًّا بالدولة الجديدة. وبعد شهر تعلن (إسرائيل) افتتاح سفارة لها هناك لدعم العلاقات التطبيعية بين البلدين.

(2)
إذًا، العلاقات التاريخية بين تل أبيب وجوبا بدأت مع بدايات التمرد في جنوب السودان واستمرت خلاله، ثم تعززت بعد انفصال جنوب السودان قبل نحو عام، والاتفاقيات التي وقعت وآخرها اتفاقية "المياه" لا يقصد من ذلك إلا توجيه أكثر من رسالة إلى كل من السودان والقاهرة ، مفادها أن مياه النيل التي هي شريان حياة لهما باتت في قبضتها، أي أن الأمن المائي للبلدين العربيين صار في خطر، ذلك أن إسرائيل التي باتت الآن تدير شؤون مياه جنوب السودان من خلال مشروعات مائية سوف تعتبر وجودها هناك وجوداً استراتيجيا طالما سعت إليه في إطار سعيها الدؤوب لمحاصرة الدول العربية خلف حدودها، وخصوصاً في القارة الإفريقية التي تتحول شيئاً فشيئاً إلى "حديقة خلفية" لإسرائيل الذي بات يسرح ويمرح فيها في ظل غياب عربي مطلق يتجاهل أسباب ومدى التمدد والتغلغل الإسرائيلي في القارة السمراء.

يبدو أن الاعتراض المصري ـ السوداني على الاتفاقية لن يحول دون شروع دول المنبع، بما فيها دولة جنوبي السودان التي تحوّلت إلى الدولة الحادية عشرة من دول حوض النيل، بمجرّد الانفصال، في تنفيذ المشاريع المائية. من وجهة نظر السودان ومصر، تبرز خطورة الاتّفاق بين جنوبي السودان وإسرائيل، في أنه سيؤدّي إلى زيادة استهلاك المياه في الجنوب، بما يؤثّر سلباً في تدفّق مياه النيل من الجنوب باتّـجاه الشمال ومصر، وبالتالي سيؤدّي إلى خنق السودان ومصر مائياً. ويحتلّ جنوبي السودان موضعاً استراتيجياً في ما يتعلّق بمياه النيل. ووفقاً للتقديرات، فإن ما يقارب 45 في المئة من مياه حوض النيل يقع في جنوبي السودان.

كذلك، فإن 28 في المئة من مياه النيل تمرّ من جنوبي السودان باتّـجاه الشمال قبل الوصول إلى مصر. وبالتالي، فإن أي زيادة في استهلاك المياه في الجنوب، وهو أمر متوقّع نتيجة حاجة البلاد إلى العديد من المشاريع، سينعكس سلباً على القاهرة والخرطوم. وتشير بعض الدراسات إلى أن مصر ستواجه أزمة مائيَّة في العام 2017، نظراً الى استمرار النموّ السكاني السريع، حيث تحتاج مصر إلى 86.2 مليار متر مكعب من المياه، في حين أن مواردها لن تتجاوز 71.4 مليار متر مكعب.

يتضح مما سبق؛ أن ثمة أخطارا حقيقية تهدد السودان ومصر بشكل خاص بعد توقيع دولة جنوب السودان واسرائيل على الاتفاقية سابقة الذكر، مما يؤكد لنا أن إسرائيل ستبقى على حلمها القديم في مياه النيل.

وبناء على ذلك يبرز السؤال المهم هل تدرك مصر والسودان ما ترمي إليه وتخبئه الدولة العبرية لهما؟ وكيف يمكنهما مواجهة الخطر المحدق بهما وهما الغارقتان في مشاكلهما الداخلية اليوم؟ فردود الفعل العربية تاريخيا تجاه المشاريع الصهيونية التي استهدفت مياههم ومنها مياه النيل كانت متواضعة وفي حدها الأدنى لأن العرب كانوا يعانون الفرقة والانقسام وضعف بنائهم السياسي وغياب الديمقراطية والتنمية الشاملة، وأن الحركة الصهيونية ومن بعدها اسرائيل أدركتا أن المياه ومصادرها قضية استراتيجية تتقدم أولويات خططها ومشاريعها وربطها بالوجود الصهيوني في هذه المنطقة، وقد استغلت اسرائيل الفرص التاريخية واستفادت منها أكثر من العرب لتنفيذ مشاريعها والاستيلاء على المياه.

في ظل الظروف التي تمر بها الشعوب العربية وفي ظل هذه الخريطة الجيو سياسية الجديدة لا بد من تفعيل دور عربي مكثف عبر تعظيم فرص التعاون الاقليمي وانتهاج دبلوماسية نشطة تجاه كافة الصراعات والقضايا الخلافية لدول منابع النيل للحيلولة دون المساعي الاسرائيلية الهادفة لتحقيق المكاسب سواء السياسية أو الاقتصادية او الاستراتيجية، والتي تتمثل أساسًا في أطماع تل أبيب في تلك المنطقة وخاصة في دولة جنوب السودان وكل ذلك على حساب الأمن القومي العربي.

ملفات أخرى متعلفة