تاريخنا

البخاري... في ضيافة الباري

أ. د. خالد الخالدي
الاثنين ٢٠ ٠٨ / ٢٠١٢
في ليلة عيد الفطر، الثلاثين من رمضان، لسنة ست وخمسين ومائتين، توفي الإمام العالم، التقي النقي، محمد بن إسماعيل البخاري، في قرية بخرتنك القريبة من سمرقند، وكان مولده في بخارى سنة أربع وتسعين ومائة، وقد تحلى البخاري- رحمه الله- بصفات الربانيين، وتخلق بأخلاق الصديقين، فلم يداهن أو ينافق أو يجامل في دين الله أحداً من العالمين، فأحبه الصالحون، وآذاه الحاسدون، وظلمه الفاسدون. وتلكم بعض صفات ومواقف إمامنا، فلنتأملها؛ لنرى نوعية الرجال، الذين حفظوا السنة والقرآن، وصنعهم العلم والإيمان، فصاروا قدوة على مدى الزمان.

• علمه: شهد بعلمه كبار العلماء، فقال محمد بن إسحاق:" ما رأيت تحت أديم هذه السماء، أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل البخاري"، وقال أحمد بن حنبل: "ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل".

وتحدث عن نفسه فقال:" أُلهمتُ حفظ الحديث وأنا في الكتَّاب ابن عشر سنين أو أقل"، وعن كتابه صحيح البخاري يقول:" صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة، خرَّجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى "، وقال:" أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح".

• عبادته: كان البخاري عالماً عابداً، روي أنه كان يحافظ على قيام الليل، فيصلي كل ليلة بثلاث عشرة ركعة، وكان يصلي بأصحابه في ليالي رمضان كل ليلة بثلث القرآن، ويختم كل ثلاث، ويقول: "عند كل ختمِ دعوة مجابة"، وما وضع حديثاً في الصحيح إلا وصلى عقبه ركعتين شكراً لله عز وجل، وروي أنه كان يصلي، فدخل قميصه زنبور، وأخذ يقرصه، فكره أن يقطع صلاته، وعندما انتهى منها، رفع قميصه، وقال: انظروا ما الذي آذاني، فوجدوا زنبوراً قد قرصه سبع عشرة مرة، وورم جسده.

• خلقه: العالم الحقيقي هو الذي يؤثِّر علمه في خلقه وسلوكه، وكان خلق إمامنا القرآن والسنة، فقد روي أنه كان يتقرب إلى الله تعالى بترك الغيبة، ويقول:" أرجو أن ألقى الله تعالى ولا يطالبني أني اغتبت أحداً"، وكان لا يحفل بالحاسدين الذين تصله أخبار مهاجمتهم له، ويقول معلقاً على ذمهم له:" المادح والذام من الناس عندي سواء"، وروي أن تجاراً دفعوا خمسة آلاف درهم في بضاعة يملكها، فلم يبعهم، ثم جاء آخرون في اليوم التالي ودفعوا فيها عشرة آلاف درهم، فقال لهم: لقد بعتها لمن دفعوا خمسة آلاف، وعندما سألوه عن السبب، قال: لأني عقدت النية الليلة بعد أن غادروا على بيعهم.

• صبره على الأذى: ما من عالم رباني، تمسك بمبادئ دينه، ونذر نفسه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا تعرض للأذى، فابن حنبل جُلِد، وابن تيمية مات في السجن، والبنا اغتيل، وسيد قطب شُنق، وأحمد ياسين ضرب بصاروخ مزق جسده المشلول، وقافلة أهل الحق الذين تعرضوا للأذى لا تنتهي، وهذه سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، نقرأها في قول الله تعالى: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ }، فقد أمر بالصبر بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن من يقوم بذلك سيتعرض لأذى الظالمين الفاسدين، لكنه سبحانه أثنى على الذين يستمرون في طريق الإصلاح، بالرغم من الأذى، وعدهم من أولي العزم.

وقد تعرض إمامنا لحسد العلماء، فقد دخل إلى سمرقند، فاستقبله أهلها استقبالاً حافلاً، وانفضوا عن مجالس العلماء، وتجمعوا في مجلسه، لتلقي العلم، فتآمر عليه علماء حاسدون، وأرادوا إغضاب الأمير عليه، فسألوه عن رأيه في القرآن مخلوق أم كلام الله..

فقال: إنه كلام الله، فوشوا عليه، وأبلغوا الناس بالابتعاد عن مجلسه، حسب تعليمات بغداد، واتهمه بعضهم بالكفر، فانفض الناس عنه خوفاً على أنفسهم، فرحل إلى بخارى، دون أن ينصره أو يودعه أحد، فحرضوا عليه أميرها خالد الذهلي، فأراد أن يجد سبباً لطرده، فدعاه أن يحمل كتبه، ويأتي إليه لتعليمه هو وأولاده...

فقال:" أنا لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن كانت لك إلى شيء منه حاجة فاحضرني في مسجدي أو في داري، وإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان، فامنعني من الجلوس، ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة، لأني لا أكتم العلم"، أمره الأمير بالخروج..

وعندما سئل عن حاله بعد هذا الأذى قال: " لا أبالي إذا سلم ديني"، لكنه دعا على ظالميه، فقال:" اللهم أرهم ما قصدوني به، في أنفسهم وأولادهم، وأهاليهم"، فاستجاب الله دعوته، وزال سلطان أمير بخارى، بعد أقل من شهر، وأذله خصومه، وطافوا به في بخارى على ظهر حمار، وشهروا به، وأما حريث بن أبي الورقاء الذي وشى به، فإنه ابتلي بأهله، فرأى فيهم ما يجلّ عن الوصف، وأما خصمه الثالث فإن الله ابتلاه بأولاده، وأراه فيهم البلايا.

أما إمامنا، فقد دعا ربه قائلاً:" اللهم إنه قد ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك"، فقبضه الله تعالى قبل أن يتم شهر على دعوته، وأكرمه، إذ فاحت من جسده ومن تراب قبره رائحة أطيب من المسك، حتى تسابق الناس، لأخذ شيء من ترابه، فاضطروا لوضع الحرس عليها، وأما الذين آذوه، فقد أدركوا حجم جريمتهم، وذهبوا إلى قبره، نادمين مستغفرين.

ملفات أخرى متعلفة