39
إقرأ المزيد <


نوافذ

أمريكا في عيونهم!

لمى خاطر
خميس ١٦ ٠٨ / ٢٠١٢
مشكلة القوميين واليساريين في العالم العربي، ممّن لديهم موقف عدائي تاريخي تجاه الإسلاميين وخصوصا جماعة الإخوان، أنهم لا ينفكّون يمطرون المشهد الإعلامي العربي بتحليل يتيم فاسد، لا يستند إلى حجة أو دليل مفاده أن الإخوان المسلمين استلموا السلطة في بلدان الربيع العربي وخصوصا مصر برعاية أمريكية، بل وأن أمريكا هي التي باتت تتحكم بمصائر الثورات، فتوزّع وتقسّم السلطة في تلك البلدان كيفما شاءت!

وكأنه ما من انتخابات نزيهة شاركت فيها جميع القوى بما فيها القومية واليسارية، وهي التي أتت بالإسلاميين إلى جميع مواقعهم الحالية في الحكم، أو كأن أمريكا تملك أن تفرض على المواطن العربي خياره الانتخابي، أو التآمر على وعيه فتسلبه منه دون أن يعرف، وتملي عليه قناعاته!

نذكر جيدا، يوم كان الجميع يهلل للثورة المصرية عند انطلاقها بما فيهم هؤلاء، كيف كانت أمريكا أيضا تسرع إلى التخلي عن حليفها الاستراتيجي حسني مبارك في محاولة لركوب موجة الثورة، فتطالبه بالاستماع إلى مطالب شعبه حينا وبالتنحي حينا آخر، ثم تروّج لرسالتها (الحضارية) في دعم تطلعات الشعوب نحو التحرر من الاستبداد، حينها كان لسان حال القوميين موافقاً للرأي القائل إن أمريكا لا تملك أن تحارب إرادة الشعوب وخصوصاً حين تكون قوية لدرجة تمكنها من إسقاط الطغاة عن عروشهم.

لكنّ معادلة الفهم والتحليل اختلفت واختلّت منذ اللحظة الأولى التي لاح فيها تمكّن الإسلاميين ووصولهم إلى مفاصل الحكم بإرادة الشعوب، وليس بموافقة أمريكا أو مباركتها، فأمعن أولئك في تسخيف الثورات والتشكيك في بواعثها، حتى صارت وفق رأيهم عنواناً لتقسيم الأمة وشرذمتها وبيعها (للإخونجية) بعد عقد صفقات معهم، وكأن حال أنظمة الاستبداد في مرحلة ما قبل الثورات يمكن مفاضلته بآخر أكثر سوءاً أو أشدّ تدميراً لوعي الأمة وطاقاتها!

هذه السطحية المغرقة في الصلف والتعالي واستغباء الجمهور تصبّ بشكل مباشر في قناة تضخيم الدور الأمريكي في المنطقة، فمجرد الادعاء بأن أمريكا المحرك أصلا لكل ظاهرة الربيع العربي يعني أن قدر المواطن العربي أن يظل متخلفاً وخانعا، وأنه متى فكّر في الثورة على الاستبداد فسيكون هذا مقترناً بالموافقة الأمريكية، وهو ما يبدو أيضاً مسوّغاً لتقبل الخنوع لاستبداد النظم العربية، حتى لو ادعى هؤلاء غير ذلك!

لقد أفلس حملة هذه الأفكار بمقدار ما أفلست أنظمة الطغيان، وإن كانت الأخيرة قد شيّدت جبروتها ببنيان التخويف والإذلال، فإن حملة الأفكار النظرية اكتشفوا مدى اهترائها ونضوب متنها، وكيف أنها لا تصلح إلا لمداعبة خيال الجماهير وحشو عقولهم بالشعارات وكبسولات الأفكار الفاقدة للقيم، لأن أي قيمة وأي مبدأ لا يستقيم معهما التحايل والكذب والتضليل، ولا تبرير الإفلاس باتهام الآخرين، ولا الاعتياش على الانتقاص من الخصوم لمجرد أن حظوظهم من المصداقية والتأييد أعلى وأصلب!

مع رحيل المستبدين كلهم سترحل الأفكار العدمية التي ظلّ حملتها يدّعون الانتساب للتنور والانحياز لقيم العدل والكرامة، ثم تبيّن أنهم واجهة أخرى لاستبداد الحاكمين، وأنهم يعانون من ازدواجية مفضوحة محورها مصالحهم وحسب، وجملة الأفكار الخشبية التي ما زالوا يقدّمونها على كرامة الإنسان وحقّه وحريته، ويبدون غير مستعدين للنظر فيها حتى لو انكشف عوارها لكلّ الآخرين سِواهم!

ملفات أخرى متعلفة