إقرأ المزيد <


مؤتمر مكة من أجل القدس.. ما الجديد؟!

د. أيمن أبو ناهية
أربعاء ١٥ ٠٨ / ٢٠١٢
مر على احتلال مدينة القدس أربعة عقود ونصف العقد وهي تأنُّ وتشكو من التهويد ولا تجد من ينصرها ويرفع ظلم الاحتلال عنها، وكأنها مدينة لا تهم العرب والمسلمين والمسيحيين. فالقدس أصبحت مهودة بالكامل وتغيرت جميع معالمها تمامًا، ولا يبقى فيها إلا القليل القليل من ذكرياتها العربية والإسلامية الأصيلة، حيث تتعدد وسائل وأدوات الاحتلال الإسرائيلي في إضفاء الطابع اليهودي في كافة المعالم والمقدسات والرموز الإسلامية في القدس المحتلة، عبر تغير مسمياتها العربية إلى العبرية وقلب حقائقها وتزوير تاريخها وحاضرها كإنشاء حدائق ومراكز توراتية تلمودية يهودية، وحفر الأنفاق أسفل المسجد الأقصى، وزرع قبور يهودية وهمية، وتغير أسماء الشوارع والبلدات من العربية إلى العبرية، وسرقة آثار وأحجار الحضارة العربية ونسبها إلى اليهودية، وبناء جدار الفصل العنصري والتضييق على المقدسيين وتهجيرهم من المدينة بعد الاستيلاء على ممتلكاتهم، في سبيل تذويب وإنهاء الوجود الفلسطيني من المدينة المقدسة، وجعلها مدينة يهودية بحتة.

إن عمليات الحفر التي تقوم بها السلطات الإسرائيلية الآن جهاراً نهاراً في المدينة المقدسة، وبالذات أسفل المسجد الأقصى، حيث تم حفر نفق طوله مئة متر في منطقة حمام العين في الحي الإسلامي في القدس القديمة باتجاه المسجد الأقصى والذي أدى إلى انهيار سور بالقرب من مسجد العين في سلوان، وحفر نفق أسفل باب المغاربة، كذلك تم حفر نفق أسفل حائط البراق، وغيرها من الحفريات والأنفاق المعلن عنها والإنفاق غير المعلن عنها التي تحفر في السر، قد تسببت بأضرار واضحة في أساسات المسجد الأقصى وتصدع سقفه وجدرانه، كذلك الحال بالنسبة للممتلكات والمباني والمنازل المجاورة في الأحياء العربية، ناهيك عن المخطط الجديد الذي تنفذه بلدية الاحتلال الآن ببناء 12 برجًا في مغتصبة "معاليه أدوميم"، المقامة على أراضي الفلسطينيين قرب بلدة العيسوية جنوب شرق القدس المحتلة. ويذكر أن المشروع يتضمن إقامة أبراج هي الأعلى تبلغ مساحتها ٣٢ دونماً، وتوجد فيها 714 وحدة سكنية استيطانية قائمة، والهدف من وراء هذا المشروع هدف ديموغرافي بالدرجة الأولى لتحويل الفلسطينيين بالمدينة المقدسة لأقلية مقابل تكثيف تواجد الصهاينة بكل الوسائل ومنها الأبراج لحجب الرؤية تماما عن المسجد الأقصى.

والسؤال الذي يطرح نفسه؛ أين هي منظمة التعاون الإسلامي التي تنيب عن مليار ونصف المليار مسلم طوال السنوات السابقة والتي تجتمع الآن لبحث قضية القدس بعد أن أصبحت المدينة مهودة بالكامل، وبعد أن أصبح المسجد الأقصى في خطر شديد يكاد في لحظة ما ينهار بسبب الأنفاق التي تحيط به من الأسفل، وبعد أن تغيرت معالم المدينة كلية وتحولت إلى يهودية؟، والسؤال الأهم في هذا السياق؛ إلى ماذا توصلت المنظمة من مؤتمرها؟ لقد خرجت المنظمة بقرارات لم ترق إلى المستوى المطلوب تجاه القدس والأقصى، وحتى مطالب الفلسطيني من طرف رئيس السلطة بتوفير الدعم المادي لتعزيز المشاريع في القدس أو دعوته إلى زيارتها تأكيدا على التسليم بالأمر والواقع.

فما يحدث الآن في مدينة القدس يُظهر أن (إسرائيل) ماضية في جعل القدس مدينة يهودية، ومن المؤكد أن بعض الجهات الغربية تمول مشاريع الاستيطان في القدس ولا أحد يحرك ساكنا، والعالم الإسلامي يصدر قرارات باهتة اقتصرت على أسلوب الشجب والاستنكار والبيانات الإنشائية, الأمر الذي أراح الصهاينة كثيراً وجعلهم يتمادون في الاعتداء على المسجد الأقصى المبارك والاستمرار في تهويد القدس أكثر فأكثر حتى أصبحنا نسمع كل يوم عن فاجعة جديدة تحت وحول المسجد الأقصى والعرب والمسلمون لا يحركون ساكنا، ولا تعجب إذا علمت ذات مرة أن كثيراً من العرب والمسلمين لا يعلمون حتى الساعة أن القدس تحت الاحتلال وأن بعضهم يتفاجأ إذا سمع بذلك وتتملكه الدهشة.

إن كل هذه المناورات التهويدية التي تحاك وتدبر ضد المدينة المقدسة من قبل سلطات الاحتلال وبلديتها المسعورة، والهجمة الشرسة التي تشنها على المسجد الأقصى المبارك لمحاولتها المساس به وهدمه، والتخلص منه وبناء الهيكل المزعوم بدلا منه، ناهيك عن المضايقات الاستفزازية للمقدسيين بمنعهم من ممارسة شعائرهم الدينية في المسجد الأقصى في شهر رمضان وقبل شهر رمضان، تعدُّ تحدياً للأمتين العربية والإسلامية، واستفزازاً لمشاعرهم في الوقت الذي تنعقد فيه منظمة التعاون الإسلامي في قمتها الطارئة المنعقدة في مكة، فهي تدرك تماما مدى حجم قدرة المنظمة ومدى ضعف التوصيات والقرارات التي ستصدر عنها.

فإلى متى يا أمة المليار مسلم هذا الهوان والرضوخ والسكوت عما يجري للقدس والأقصى؟!! هل نحن بحاجة إلى مزيد من الدلائل والشواهد والإثباتات لنتأكد من مصداقية عروبة وإسلامية القدس والأقصى؟!! وهل سنظل ننتظر وننتظر حتى يهدم المسجد الأقصى المبارك ويكون "هيكل الخراب"عوضا عنه، ومن ثم تختفي القدس بكاملها من الوجود؟!!.

إننا كفلسطينيين لا نريد إشغال منظمة التعاون الإسلامية بقضايانا الأخرى كالحصار والأسرى، كما وأننا لا نريد تحميلها فوق طاقتها أو حرفها عن القضية الرئيسة وهي القدس، وإنما كل ما نتمناه منها هو اتخاذ قرارات عملية جادة تتجاوز روتين إصدار بيانات الشجب والاستنكار، وتبني موقف استراتيجي لحماية القدس والمسجد الأقصى يُطرح في كافة المحافل الدولية لفضح سياسة التهويد، وتوجيه رسالة واضحة (لإسرائيل) والأطراف والدول الداعمة لها بأن الأقصى والقدس بمثابة خط أحمر عند الأمتين العربية والإسلامية لا يسمح يتجاوزه، وإجبار دولة الاحتلال على تجمد جميع الأنشطة والمخططات الاستيطانية والتهويدية في القدس، وعدم المساس بالمسجد الأقصى وانتهاء الاحتلال.

ملفات أخرى متعلفة