إقرأ المزيد <


أرقام ودلالات

أ.د. يوسف رزقة
أحد ١٢ ٠٨ / ٢٠١٢
(350) ألف مصل أدوا صلاة الجمعة الرابعة من رمضان في المسجد الأقصى، ليكون هذا التجمع هو الأكبر منذ بداية شهر رمضان المبارك. ما يثيره هذا الخبر الذي جاء على الصفحة الأولى من جريدة فلسطين يقول: هل بات الأقصى رقمًا حسابيًا؟! وهل باتت حقوق الفلسطينيين والمسلمين عامة في الأقصى رقمًا على الآلة الحاسبة؟! حساب الأرقام في حالة الأقصى مضيعة للحقوق الأصيلة لشعبنا وللمسلمين عامة فيه. إن للحقوق منطقًا غير منطق الأرقام والحساب.

لم أفرح حين قرأت الرقم، ولم أشعر بالسعادة، رغم علمي بأن من جاء بالرقم إلى الصفحة الأولى كان غيورًا على الأقصى، وأراد أن يقول إن الأقصى بخير، وإنه مازال في حماية هذه الآلاف المؤلفة، من المؤمنين، الذين يحرصون على الصلاة فيه. الصلاة في الأقصى بخمسمائة صلاة فيما سواه، وهذا الحديث كاف لشد الرحال إليه ومضاعفة الأعداد المصلية فيه.

لم أفرح بالرقم، بل حزنت، أو قل أحزنني، لأنني تذكرت الملايين التي لا تستطيع الصلاة فيه، والتي لا يمكنها شد الرحال إليه. تذكرت الأقصى يتوجع ويئن، ولا يحسب مقدار أنينه، ولا يحصي أرقامها إلا من عرف ماهية الأقصى وجوهره، وعرف معنى القبلة الأولى، وثالث الحرمين، وعرف الفاتح عمر، والمحرر صلاح الدين، من يعرف هذه وتلك هو الذي يعطيك رقمًا حقيقيًا حول الأقصى وأناته وتوجعاته.

لم أفرح بالرقم وإن حمل دلالة على بقية الخير الباقية وعلى دوامها واستمرارها إلى أن يأذن الله بالتحرير، ولكني تألمت لأنني لا أستطيع الصلاة فيه، ولا يستطيع شعبي الصلاة فيه، ولا يشد الرحال إليه من العواصم العربية والإسلامية أحد بسبب الاحتلال الصهيوني له ولبلادنا فلسطين.

سأفرح يوم يستطيع كل مسلم الصلاة في الأقصى، والاعتكاف فيه، يوم يزول عنه الاحتلال، وتعود إليه حريته، ويوم أن تصلي فيه الملايين الكثيرة، على نحو ما نجد في الحرم المكي الشريف. سأفرح يوم يستطيع كل غزي وضفاوي، ومقدسي، وفلسطيني الصلاة فيه، والإشراف على سيادته والقيام بواجب سدانته في رمضان وفي غير رمضان على الوجه الذي يرضاه الله، ويغيظ الصهيونية والمنافقين.

كيف يستطيع أهلنا في غزة هاشم أداء العمرة والحج بينما هم لا يستطيعون الصلاة في الأقصى الأقرب إليهم، والذين هم سدنته وحماته. عقود مديدة من الزمن ولا يستطيع الغزي أن يصلي في الأقصى حيث مسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

(350) ألف مصلٍ في الجمعة الرابعة لا يزيدون في علم النسب عن 1% من نسبة الممنوعين من الصلاة في الأقصى من المسلمين في العالم بسبب الاحتلال الإسرائيلي. لذا نقول إن هذا الرقم هو علامة على حزن الأقصى وبؤسه، وهو علامة على ضعف المسلمين و هوانهم، وهو علامة على تقصيرنا حكامًا ومحكومين إزاء الأقصى الأسير.

المعتمرون في الحرم بالملايين، والزائرون للمسجد النبوي بالملايين أيضًا، وهذا هو الرقم الذي يجدر أن يذكر مع الأقصى لأنه أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وأكنافه مباركة، وأرضه أرض المحشر والمنشر، وفيه كان المعراج، وفيه كانت قيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم للأنبياء جميعًا في الصلاة.

ملفات أخرى متعلفة