39
إقرأ المزيد <


أرواح نساء في ذمة الشبهة

لمى خاطر
أربعاء ٠٨ ٠٨ / ٢٠١٢
استفزني كثيرًا خبر الجريمة الأحدث في سلسلة جرائم قتل النساء التي بتنا نسمع بها كل بضعة أيام في المجتمع الفلسطيني، ولديها ما يشبهها في بقية المجتمعات العربية التي افترقت واختلفت في كلّ شيء، إلا في نزعة التخلّف التي يبدو أن نفرًا غير قليل من الرجال ما زالوا يحملونها.

كتبت، أمس، على صفحتي معلقة على هذه الظاهرة: "متى سيفهم الرجل العربي أنه أيًّا كانت جريمة المرأة فلا الشرع ولا القانون يبيحان له قتلها؟! فما بالكم حين تقتل بالشبهة؟! ولو أن هؤلاء المجرمين يلقون جزاءً مناسبًا على قتلهم لما باتت ضحايا حوادث قتل النساء أكثر من ضحايا حوادث الطرق".

وقلت: "أحيانًا يكون الرجل مغمّسًا بالخطايا، ويفترض المجتمع في المرأة أن تسامحه وتتجاوز عن سيئاته حتى لو كررها ألف مرة، في حين قد تسبب شبهة تافهة على المرأة أن يحكم المجتمع عليها بالنبذ أو الموت، مع العلم أن بعض حوادث قتل النساء الأخيرة كانت بدوافع أتفه من شبهة الإخلال بالشرف".

هناك من علّق قائلًا: "إن بعض النساء تستحق أكثر من الذبح، وإن قوانين الأحوال الشخصية تستفز الرجل وتضطره إلى القتل"، هذه الأفكار كلّها نتاج موروثات اجتماعية متخلفة لا أكثر ولا أقل، وهي لا تمت للإسلام بأدنى صلة، ذلك أنها تفترض أن المرأة كائن ثانوي لا قيمة له، وأن خطأها يوجب سلبها حياتها وإزهاق روحها على أيدي أقاربها، ولستُ أدري أي كائن متوحش ذلك الذي يستعمر قلب رجل قادر على ممارسة حياته بشكل طبيعي بعد أن يقتل زوجته أو أخته أو ابنته!.

ثمة ازدواجية فاضحة هنا؛ لأن المجتمع العربي المعاصر لم يحمل لنا قصة واحدة تقول إن جريمة شرف اشترك فيها شخصان، قد عوقب عليها الرجل كما المرأة، أو أن الأكفّ الآثمة التي تستسهل إزهاق روح النساء تأخذها الحمية ذاتها لو كان المخطئ رجلًا، فكيف ونحن أمام حالات تبيّن تفاصيلها أن معظم المجني عليهنّ لم يرتكبن فاحشة ولا جريمة شرف حتى وفق المعايير الاجتماعية التقليدية، بل كان الشكّ الممزوج بانتصار بائس وتافه لعرض لم يمسّ الدافع الوحيد لقتل غالبيتهن!.

أما الأنكى من كل هذا ذلك الصمت الشعبي والرسمي العجيب على جرائم من هذا الطراز، والسبب الافتراض دائمًا بأنه ما من امرأة تقتل على يد رجل إلا وكانت خلفية استباحة دمها جريمة شرف، رغم أن هناك خلفيات لهذه الجرائم لا علاقة لها بالشرف ولا بسوء الخلق، بل تكون على إثر خلافات عادية، لكن ما يجرئ الرجل على أخذ قرار بالخلاص من المرأة التي يختلف معها اطمئنانه إلى أن القانون سيتساهل معه؛ لمجرد أن يدلي أمامه بإفادة كاذبة تقول إنه قد انتصر لعرضه.

"من أمن العقوبة أساء الأدب"، تلك هي العبارة السحرية التي تفسّر استمرار هذه الظاهرة رغم مظاهر المدنية المدّعاة التي تخفي أنيابًا اجتماعية مازالت مغرقة في جاهلية مظلمة وظالمة. ولو أن القوانين تملك من الحزم والوضوح ما يكفي لمعاقبة الجناة؛ لفكّروا ألف مرة قبل أن يلوذوا بسكاكينهم أو بقبضاتهم حين يواجهون امرأة عزلاء مهيضة الجناح.

ليس مطلوبًا أكثر من الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية هنا؛ لأننا مطمئنون إلى عدالة الإسلام الذي يعلي من قيمة النفس البشرية، ويقرر أنه "وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا"، وإن استثناء قتل النساء من العقوبات المتعلقة بجرائم القتل هو إنكار لحكم الشرع، قبل أن يكون استهتارًا بالنفس البشرية وتواطؤًا مع الجناة.

ملفات أخرى متعلفة