39
إقرأ المزيد <


لا تعاقبوا غزة!

لمى خاطر
ثلاثاء ٠٧ ٠٨ / ٢٠١٢
لم يحتمل الأمر سوى لحظات أعقبت الهجوم الشنيع على الجنود المصريين في رفح المصرية، حتى بدأ الإعلام الرسمي المصري إياه هجوماً واسعاً على غزة وجماعاتها (الافتراضية)، التي وُسمت بأنها منفذة الهجوم، مستفيدة من التسهيلات الأخيرة على معبر رفح، بل ومن العفو الرئاسي المصري عن قادة التنظيمات الإسلامية الذين كانوا معتقلين في عهد مبارك!

لم نسمع من أية جهة إدانة لكيان الاحتلال، الذي تُقرر أبسط مفاهيم تحليل الحدث بأنه المستفيد من الهجوم وتبعاته، وبأن غزة هي المتضرر الوحيد منه، ولم يلتفت هؤلاء وسط موجة التهديد والوعيد والغضب إلى ضرورة ألا يقحموا غزة في الأمر كجهة مدانة، وإلى أن المسارعة لإيقاع العقوبة عليها ليس إلا تنفيذ مباشر لأجندة الهجوم، بغضّ النظر عمّن يقف وراءه!

وحتى لو افترضنا بأن منفذي الهجوم ينتمون لجماعات متشددة – وهو ما لم يثبت وليس هناك ما يشير إليه- فما ذنب غزة لتدفع ثمن فكر دخيل عليها، ويلفظه ترابها، ولم تنتجه بيئتها، فضلاً عن أنها على المستوى الرسمي عانت من تخلّفه وتطرفه الكثير، حينما خرج بعض المهووسين بفكرة (الإمارة الإسلامية) التي تريد تصحيح عقيدة حكومة هنية، وحينما قتل نفر من حملة هذا الفكر المتضامن الإيطالي أريجوني!

ليس منطقياً أن يُخشى من غزة وأن تعدّ مصدراً لتصدير المتطرفين، بل الخشية كانت دومًا من تصدير تلك النماذج لغزة، ومن محاولات التشويش على أولويات مقاومتها وبوصلة اتجاهها، وهو ما يصبّ مباشرة في جيب مصالح الاحتلال!

أما المستوى الأمني داخل غزة فهو في حال جيدة، بل وممتازة مقارنة مع نظيره المصري، فليس هناك مجال للانفلات في غزة، ولا للتخريب تحت شعارات وهمية، وليس فيها مجهولون يقارفون أعمال انفلات من أي نوع دون أن يكتشف أمرهم.

وإن كان للغضب المصري أن يستعر فينبغي أن يوجه لهيبه ناحية الكيان الصهيوني، الذي أضعف السيادة المصرية في سيناء، فيما سارع لتقديم مبادرات التعاون بعد الحادث لدرجة سماحه للطيران الحربي المصري بالتحليق في أجواء سيناء وذلك للمرة الأولى منذ اتفاقية كامب ديفيد!

أخشى ما أخشاه أن ينجح هذا التهييج الإعلامي الأعمى في خلق قاعدة عريضة له في مصر ترى أن فك الحصار عن غزة هو خطر يهدد أمن مصر القومي، وأن نعود إلى اسطوانة عهد (تكسير الأرجل)، التي ثار الشعب المصري على رموزه، وأن يظل الأمن المصري على الحدود منشغلا بالبحث عن مجرمين لا وجود لهم، فيما الجاني الحقيقي يدير اللعبة بذكاء وبمهارة، فيهدئ متى أعيد الحصار ليحكم خناقه على غزة، ويعود إلى لعبة الدم كلما حدثت انفراجة في جداره!

إن كان عهد مبارك يحتمل الافتراض بأنه لا حول لصوت الوعي، ولا قوة له أمام إجرام إعلامه ورجال مخابراته، فلا ينبغي لمبادئ الثورة أن تحتمل إعادة إنتاج الوهم والفزاعات إكراماً لأمن (إسرائيل)، فهذه الأخيرة تتضرر بمقدار استغناء غزة عنها وانفتاحها على حدود عربية مجاورة، بينما ترتفع أسهم أمنها وراحتها إذا ما ظلّت غزة رهينة الفقر والجوع والحصار.

فيا قيادة مصر الجديدة: لا تسمحوا بمعاقبة غزة ولا بتوجيه أيّ من نيران الغضب تجاهها، لأن دعوات المظلومين فيها لن تلبث أن تفتك بكلّ متآمر عليها، وكلّ منفّذ لأجندات عدوّها!

ملفات أخرى متعلفة