إقرأ المزيد <


نريد وطنًا

أ.د. يوسف رزقة
أحد ٠٥ ٠٨ / ٢٠١٢
نريد وطنًا يجمعنا ويوفر لنا حياة كريمة. تلكم الكلمات التي يرددها الفلسطينيون في مخيم اليرموك في سوريا بعدما أصابهم من قتل وجراح. الوطن هو أول ما يقف عنده الفلسطيني مع كل أزمة محلية في عواصم المنافي والشتات التي لجأ إليها مجبرًا بعد النكبة. نريد وطنًا فلسطينيًا كاملاً سيدًا ومستقلاً يقوم على حماية أبنائه من المذابح والمجازر التي تفتك بأبنائه اللاجئين كلما اضطربت الأوضاع الداخلية في الأقطار التي تستضيفه.

الوطن السيد القادر على حماية أبنائه هو ما خسره الفلسطيني على مدى سنوات النكبة، الوطن ليس أرضًا فحسب، بل هو هوية وكرامة وحياة، وحصن وحماية. أربعة وستون عامًا عاش الفلسطيني في مخيم اليرموك بسوريا، وتمتع بحقوق مدنية جيدة، ربما هي الأفضل في مخيمات الشتات في البلاد العربية، غير أن الشيء الوحيد الغائب عنه في اليرموك، وفي لبنان، وفي الأردن، وفي الأقطار الأخرى هو الوطن؟!

الوطن الذي يلجأ إليه اللاجئ الفلسطيني ويحتمي به عند الفتن والأزمات، والحروب الأهلية. في السبعينيات افتقد الفلسطيني الوطن في الأردن، وافتقد الوطن في لبنان، وفي مطلع القرن الجديد افتقده في العراق، ودفع الفلسطيني اللاجئ من دمه وماله وبيته وأملاكه أثمانًا باهظة بسبب غياب الوطن الذي يحميه.

حين تقاتل اللبناني مع اللبناني دفع الفلسطيني في تل الزعتر والكرنتينا ثم في نهر البارد ثم هذا القتال الذي لا ناقة له فيه ولا جمل، وحين تصالح اللبناني مع اللبناني، لم يلتفت أحد منهم إلى الفلسطيني، لأن الفلسطيني بلا وطن؟! وحين تقاتل العراقي مع العراقي انفجرت السيارات المفخخة في الأحياء التي يسكنها الفلسطينيون، واستولى بلاطجة العراق على منازل الفلسطينيين، وساموهم الخسف والاغتيال، وهاجر الفلسطيني مكرهًا من العراق إلى كندا والبرازيل، إذ لم يجدوا دولة عربية تقبل بهم، كان هذا الخسف والقتل لغياب الوطن الفلسطيني.

نريد وطنًا، نريد عاصمة، نريد مطارًا، تلك هي الكلمات التي يرددها الفلسطيني في كل مطار، وفي كل عاصمة، ومع كل أزمة وفتنة وثورة.

اليوم يدفع الفلسطيني في مخيم اليرموك الفاتورة نفسها التي دفعها الفلسطيني في لبنان، وفي العراق، وفي الأردن، رغمًا عنه، ورغمًا عن حرصه المستمد من تجاربه بالابتعاد عن مواطن الصراعات الداخلية والطائفية في العواصم العربية. اليرموك الذي عاش وديعًا مسالمًا، والذي أصابه حسد اللاجئين في لبنان بسبب الفارق الكبير في الحقوق المدنية، يدفع اليوم الضريبة التي دفعها اللاجئون في تل الزعتر ونهر البارد؟!

نريد وطنًا سيدًا يأوينا ويحمينا حين يقتتل الأشقاء فيما بينهم لأمور تخصهم. نحن في العواصم العربية ضيوف، ونعيش على الحياد الإيجابي في الصراعات الداخلية، ونريد من الآخرين أن يحافظوا على خصوصيتنا، وأن يقدروا موقفنا، فنحن وإن كنا نتألم لكل الدماء النازفة، فإننا نريد أن تنزف دماؤنا في باحات الأقصى، وفي بلادنا فلسطين من أجل أن يكون لنا وطن يحمينا، ويأوينا، ويحفظ مستقبل أجيالنا. ولا نريد هجرة جديدة لشعبنا، لا من سوريا ولا من غيرها، ولا نريد دمًا نازفًا من أبنائنا يُسجل ضد مجهول.

ملفات أخرى متعلفة