إقرأ المزيد <


وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها

أ.د. يوسف رزقة
سبت ٠٤ ٠٨ / ٢٠١٢
كان فاصلاً توقف فيه القلم وتفرغ فيه القلب للعبادة والذكر والطواف وأداء مناسك العمرة. كان فاصلاً واجبا وها نحن نعود إلى تواصل واجب أيضًا مع من نحب. واسمحوا لي أن يكون لقاؤنا الأول من وحي بيت الله الحرام.

إنك إذا وقفت إلى جوار الكعبة المشرفة معظمًا، وتأملت البناء والطائفين به، وتذكرت إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ووازنت بين العقل والإيمان، تذكرت الفاروق عليه السلام يخاطب الحجر قائلاً: والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولكني أقبلك لأني رأيت رسول الله يقبلك، وعلمت أن العقل لا يستغني عن الإيمان طريقًا لليقين المريح.

(وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)، تلكم هي الحقيقة التي تجبهك حين تقف أمام البيت العتيق وتقلب الفؤاد بين العقل والإيمان، وبين البيت والطائفين به إيمانًا واحتسابًا، وتصديقًا واتباعًا. إن إحساسك بنعم الله التي تتفوق على العدّ والحصر وأنت في البيت العتيق تختلف عن أحاسيسك بها في أماكن أخرى من هذه الدنيا الواسعة. ما أعظم إحساسك بنعمة العبودية لله، وبنعمة التوحيد، وبنعمة الانقياد والطاعة التي تجمعك بالأبيض والأسمر، وبالعربي والعجمي، وبالقادمين من كل فجّ عميق ملبين ومعظمين لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

إن هذه النعم التي وسعت أهل الإسلام والتوحيد تتوجع وتتألم مع دعاء (السديس) إمام الحرم حين يدعو لنصرة المستضعفين في فلسطين وسوريا وبورما. إنك في دعاء (السديس) تقف بين عظمة البيت والطائفين به، وبين تقصيرهم بحق المسجد الأقصى، وهنا يجبهك كفلسطيني سؤال التحرير، وسؤال العبودية المكتملة، والقائل متى نصلي في الأقصى محررًا؟! متى نفك أسره؟! متى نعود إليه، ويعود إلينا؟! إن أول الدعاء "اللهم حرر الأقصى"، وإن آخر الدعاء "اللهم حرر الأقصى وارزقنا صلاة فيه".

حين يقف الفلسطيني أمام مرقد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى جوار النبي – صلى الله عليه وسلم – وصاحبه الصديق عليه السلام ، يصرخ بغير وعي مَنْ لبيت المقدس اليوم، من ذا الذي يشرف بتحريره، كما شرف الفاروق الفاتح بفتحه؟!

وهنا يجيبك اليقين بأنه لا فتح إلا بعبودية كاملة تامة، ولا تحرير إلا بعبودية كاملة تامة أيضًا، وإن اختلفت الأزمان، وتنوعت القيادات. التحرير قادم لا محالة، ولكنه في انتظار العبودية المكتملة.

لقد أدهشني بكاء طائف بالبيت يطلب أن تسامحه لأنه قصر بحق المسجد الأقصى؟! وأدهشني هذا الجيل الشاب دون العشرين الذي ملأ الطواف، وهو يدعو بطلب العفو والمغفرة، ويتوجع لحال المسلمين، وبالذات في بيت المقدس وأكنافه. لقد قدم هذا الجيل الشاب من غزة والقاهرة وعمان واسطنبول ومن المشرق الإسلامي يحمل روحًا جديدة ويؤدي مناسك العمرة بروح جديدة أيضًا.

العبودية لله، والشوق لفلسطين، رايتان يرفعهما هذا الجيل الجديد بقوة أسامة بن زيد، وحكمة عمر بن الخطاب، الأمر الذي يجعلك تستشعر النصر القادم بعين اليقين، وتحمد الله أن جعلك من أمة الإسلام، وجعلك من فلسطين، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، والحمد لله رب العالمين.

ملفات أخرى متعلفة