إقرأ المزيد <


نوافذ

إلى أن ينفد رصاصهم!

لمى خاطر
خميس ٠٢ ٠٨ / ٢٠١٢
في كلّ معترك ترتفع فيه قبضتان.. واحدة باطشة وأخرى مقاومة؛ تسرف الأولى في بثّ ضجيج رصاصها في أوصال الواقفين على مشارف حقهم المستباح، يرومون استعادة خيطه، ورده سالماً إلى حياض واقعهم.
تنبئنا حركة التاريخ وهي تعرض نماذج تترى لمظلوم يواجه الجائرين أن ملّة البطش لدى الظالمين واحدة، وأنهم لا يفرغون من جبروتهم ولا يفزعون من استحضار مصير من ناظرهم في الفعل أو في إرهاصات الزوال على مرّ التاريخ، قريبه قبل بعيده.

وتنبئنا أن أصحاب النهايات المفزعة من المستبدين يغرّهم طول بقائهم ويطمئنون إلى دوام معايشة الفتك بالمقهورين دونما جزاء، فلا يلبثون أن يتحولوا إلى وجوش آدمية تفتك بمن يعترض طريقها أو يلوح بشارة انتصار في وجه فيالق بطشها!

لكنّها تقول في المقابل إن هالة الخوف لا تلبث أن تتبدد ويندثر سطوع وهمها كلّما ارتفع منسوب الدم المسلوب من رقاب طالب الحرية، وكلّما علا دويّ قصف طائرات الجبابرة ودباباتهم، لأن الضجيج يغدو مع الوقت تقليداً مألوفا، مثلما أن الدم يصير تذكرة صعود إلى الجنة، عند من أفرغ فؤاده من كل شيء، سوى من عقيدة تحثّه على الصمود في وجه آلة الموت، والبقاء في دائرة الاشتباك.

حين يمتلك الظالمون الرصاص يواجهه المظلومون بأضلاع الصدور، وحين تقتفي البنادق السوداء أثر الخارجين من مساجدهم نحو ساحات الهتاف تهزأ معربدة بضعفهم الماديّ أو فرارهم من لسع الرصاص، فيرتق دخانه آخر منفذ للآدمية قد يعتمل في صدور أشياع الجبابرة، فيخسرون إنسانيتهم، في وقت يكتسب فيه الثائرون مناعة ضد هاجس الموت، لأنهم يرونه مشهداً يومياً يقتحم عليهم كل لحظات أيامهم.

سينفد رصاص المستبدين يوماً ما، لأن لكل شيء نهاية، إلا إرادة الحرية فإنها تظل في طور نماء متواصل حتى تبلغ غايتها، وحتى تشفى من جوعها للصراخ في وجه هاتكي كرامتها، وحتى تكتب على وجه التاريخ حين يعبر ديارها أنها ثأرت لروحها الشهيدة، ولمن ماتوا كمداً وقهراً وهم مسحوقون تحت أقدام الطغاة، وأنها امتلكت أخيراً زمام قرارها وخيارها، وقالت: لا رجوع، حتى وإن أغراها الجزار ببعض الفتات، ولا هوان، حتى وجلدها يتشقق بفعل صفعات الانتقام!

ولكن، قبل أن ينفد الرصاص من جعبة المستبدين ليواجهوا إرهاصات المصير، سيكون قد فات أوان التصالح مع الضحية، وسيكون دمها عصياً على النزف، وعظمها قد اكتسب مناعة ضد معاول التفتيت، وسيكون لزاماً على مشاهد التاريخ أن توثّق انبجاس شفق الخلاص، وأن ترصد مشاهد إذلال الطغاة وارتقاء الضحية، وأن تسجل المزيد من العبر التي سيظل الجبابرة معرضين عن وعيها، وعن اختصار طريق الدم والبطش منذ البداية.

غير أن هذا الطريق كان امتحان الشعوب المقهورة، وضمانة استماتها في سبيل حريتها، ونيشان انتصارها المستحق لها، وهي تنتزعه من بين الحراب، وتبذل لأجله ما هو أغلى من الدم وأثمن من الحياة!

ملفات أخرى متعلفة