"ألا لا تخنعوا الذبيحة!!"

عدم النخع..يُنقّي الذبيحة ويعدم إحساسها بالألم

غزة- أسماء صرصور
في الحلقةِ السابقة.. "كونٌ ناطق" تعرفت وإياكَ عزيزي القارىء على كيفية الذبح الحلال وفق شروط الشريعة الإسلامية، وعلى الفائدة التي يجنيها الإنسان من تنفيذ هذه الشروط؟، والفرق بين "الذبح الحلال" وطرق الذبح الأخرى؟ وأجاب عنها الدكتور الفلسطيني جواد الهدمي.. فلنتابع اليوم معه حلقةً جديدة فيها نتعرف على سبب تحريم أكل الميتة على اختلاف طريقة موتها؟!، وكيف تتم تنقية الذبيحة من الدم؟!، وما تقييم العلم لألم الذبح وألم تشنجات الحيوان المذبوح!، وما "النخع" وحكمه في الإسلام؟.


ويستهل الدكتور الهدمي حديثه بالإشارة إلى قوله تعالى: "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ" ، مبيناً أن طريقة الذبح تعتبر مثالية بتخلصها من كل أو معظم الدم الفاسد من جسم الذبيحة، فالدم يحمل إفرازات الجسم الضارة، لذلك يسبب بقاؤه في جسم الذبيحة أمراضاً عدة للإنسان.

ويشرح أن تنقية الدم من الذبيحة لا بد أن تسير وفق شروط معينة، وهي: استمرار عمل الأوردة الدموية بصورة فعالة من خلال ماكنة داخلية مركزية وفي حالة وعي لدى الحيوان أو الطير لا حالة موت، وضمان عمل قلب طبيعي، وعمل دورة دموية وعملية تنفس مركزية طبيعية، وعدم قطع الحبل الشوكي للذبيحة، مضيفاً: "تحديد مكان الذبح وطريقته حسب الشريعة الإسلامية لهما علاقة كبيرة بكفاءة تفريغ جسم الذبيحة من الدم، ففوق مكان القطع من جهة الرأس وبالقرب من الحنجرة يوجد جهاز عبارة عن غدة "البارورسيبتر" مسئولة عن ضبط ضغط الدم إلى الدماغ، فعندما يقل الضغط يرسل إلى القلب أوامر بزيادة عدد الضربات وقوتها لضخ دم أكثر في محاولة لرفع الضغط المنخفض إلى الدماغ لزيادة الدم المتدفق والمطلوب إلى الدماغ، ليؤدي إلى زيادة الإشارات المرسلة أيضا من الجهاز السمبثاوي إلى الجسم عامة وينتج عنه تقلص شديد في الأوعية الدموية للجسم وتشنج العضلات وحيث إن القطع قد حدث فيفرغ الجسم كليا من الدم".


"لكن هل يشعر الحيوان بالألم؟!"، يوضح الدكتور الهدمي أنه يمكن ملاحظة ذلك بصورة أولية من خلال مراقبة ثلاثة أمور: لحظة قطع الرقبة، وعملية النزف، والتشنجات التي قد تحدث مع الحيوان، ويمكن مقارنة ذلك مع الإنسان نفسه في حالة حدوث جرح مفاجئ وغير مقصود في أي من أعضاء الجسد ثم النزف الذي يليه وعلى ضوء القواعد الفسيولوجية والتشريحية من الإحساس بالألم.

ويكمل: "محفزات الإحساس بالألم تتركز في المناطق القريبة من الجلد، لينتقل الألم بعدها إلى المخ عن طريق الجهاز العصبي"، متابعاً: "لحظة القطع المفاجئة بسكين حادة -حسب الشريعة- هي لحظة غير إدراكية كلحظة إحداث جرح مفاجئ مع حلق الذقن بشفرة حلاقة حادة لا يدرك الإنسان حدوثها إلا بعد لحظات من ظهور بعض الدم على الذقن وقد لا يشعر بألمها أو يحس بها إلا بعد إدراك المخ لها".

ويشير إلى أن إحداث القطع السريع للوجدين والحلقوم والمريء معا وبصورة مفاجئة يليه حدوث نزف سريع يقطع الدم والأكسجين عن المخ يجعل فقد الإحساس لدى الحيوان سريعاً ويلغي إحساس المخ لها كما يحدث له نوع من التخدير للألم مع بقاء نشاط وعمل المخ والقلب بصورة طبيعية لإتمام عملية النزف خارجا، لافتاً النظر إلى ضرورة التفريق بين "عدم الوعي"، و"عدم الإحساس للألم"، "فالحيوان هنا مع عملية الذبح يكون كامل الوعي لكنه عديم الإحساس بالألم فالمخ والقلب نشيطان للتخلص من الدم" وفقاً لقوله.

وينوه إلى أن مناطق الإحساس في طبقة الجلد والمحفزات بها والمنطقة الممثلة لها في الدماغ عند الإنسان هي ليست بالضرورة مكافئة لمناطق الإحساس عند الحيوان، فطبقة الجلد رقيقة في حين أن طبقة الجلد الحيواني أكثر سمكا، وكلما زادت الطبقة سمكاً قلت محفزات الحساسية بها، مكملاً: "كما المخدر يلغي الإحساس بالألم فإن القطع والنزف السريع يعمل عمل التخدير، وتختفي التشنجات عند الحيوانات مع الذبح في لحظات قليلة جدا يشعر الحيوان فيها بالسكون والهدوء أثناء النزف".

ويقول: "بقدر ما يعنينا هنا النزيف والتشنجات الحادثة للحيوان، فيمكننا القول إن القسوة تكمن في عيني الناظر فقط، ففي ما يتعلق بمبادئ علم الفيزيولوجيا فإن التشنجات البسيطة ضرورية جدا لفصل اللحم عن الدم لان حركة العضلات تزيد من عملية إخراج الدم والتخلص منه".


ويستأنف حديثه: "هناك خلاف فقهي حول جواز قطع رقبة الذبيحة من عدمه، فقال كثير من الفقهاء نادوا بوجوب عدم المبالغة في الذبح حتى يبلغ الذابح النخاع أو يفصل رأس الذبيحة، و البعض الآخر قال بجواز ذلك لكون الذابح قد أتى بشروط الذبح من قطع الأوداج والحلقوم و المريء، و ما زاد على ذلك فلا يفسد الذبح أو الذبيحة لكونه مبالغة في فعل الذبح"، مشيراً إلى أن بقاء النخاع الشوكي بدون قطع لا يعني بقاء الألم لأنه في الذبح الإسلامي تخدير للذبيحة فلا تشعر بالألم، ويبين أن بعض الدول غير الإسلامية تعمل على قطع النخاع من خلال قطع الرقبة لضمان ثبات سريع للحيوان، مما يؤدي إلى احتقان الذبيحة بالدماء.

لعلك تسأل عزيزي القارئ: "ما وجه الإعجاز في منع قطع النخاع وأهمية بقائه؟!"، ليجيبك بقوله: "سبق وقلت بأنه لضمان تفريغ جسم الذبيحة من الدم فإنه ينبغي أن يبقى القلب في حالة نبض بقوة، وتقوم الرئة بالوظيفة التنفسية، بالإضافة إلى تشنج العضلات، وكل هذه الوظائف لكي تستمر لوقت مناسب لتفريغ جسد الذبيحة من الدم، ينبغي ألا يتم قطع رأس الذبيحة وفصلها عن الجسم مباشرة إلا بعد أن يتم تفريغ الدم وهذا يسمح للنخاع الشوكي بمواصلة عمله في توصيل وتمرير الإشارات العصبية من الدماغ إلى الجسم، فإذا ما تعرض هذا الحبل إلى أي تشويه أو قطع فإنه يتوقف عن إيصال الأوامر لأنحاء الجسم وهو ما يسمى بالشلل، وينتج عن ذلك نقص التفريغ الدموي من جسد الذبيحة".

ويتابع: "في عملية الذبح الإسلامية يبدأ الجهاز العصبي بإرسال إشارات من المخ إلى القلب طالباً منه إمداده بالدماء لأنها لم تصل إليه، عندها تقوم العضلات بالضغط فوراً، ويحدث تحرك شديد للأحشاء والعضلات الداخلية والخارجية، فتضغط بشدة وتقذف كل ما فيها من دماء وتضخها إلى القلب، ثم يقوم القلب بدوره بالإسراع في دقاته بعد أن يمتلئ بالدماء تماماً، فيقوم بإرسالها مباشرة إلى المخ، ولكنها ـ بطبيعة الحال ـ تخرج للخارج ولا تصل إليه، فتجد الحيوان يتلوى، وإذا به يضخ الدماء باستمرار حتى يتخلص جسم هذا الحيوان تماماً من الدماء".

ويمضي يقول: "لقد علمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته"، مبيناً أن الذبح له آداب ينبغي على المسلم مراعاتها، فهو حث على راحة الحيوان المذبوح قدر المستطاع، وأن يحد الذابح شفرته قبل الذبح، ويُكره الذبح بآلة غير حادة لما في ذلك من تعذيب للحيوان، كما يكره أن تحد السكين أمام الذبيحة، ويكره أن تذبح الذبيحة أمام أخرى، كما يندب تقديم الماء للحيوان قبل ذبحه، ويندب إمرار السكين على الذبيحة برفق ذهاباً وإياباً.

ويختم حديثه بسؤال يعتقد أن القارئ ما زال يحمله في فكره: "ماذا تقولون في من قطع الرقبة بطريق الخطأ – عن غير عمد- هل يجوز الأكل من ذبيحته أم لا؟" ليبين أن الأمر متروك لعلماء الشريعة الإسلامية لكي يدرسوه بعد ما أظهرته الدراسات العلمية.

ملفات أخرى متعلفة