إقرأ المزيد <


"الدراما الفلسطينية" هل نجحت في إيصال مظلومية الشعب1-2

د. ماهر الطباع
جمعة ٠٤ ١١ / ٢٠١٦
هل نجحت الدراما الفلسطينية في السنتين الأخيرتين في إيصال مظلومية الشعب الفلسطيني إلى الرأي العام الدولي والمحلي وحتى إلى المجتمع الصهيوني، سؤال جدير بالتفكير والبحث عن إجابات واضحة في هذا السياق. ولا بد من تمحيص في مخرجات هذه الدراما والآثار المترتبة بعد العرض، من حيث التأثير في الآخرين إيجابا لصالح مظلومية الشعب، أو سلبا باتجاه تصديق الرواية الصهيونية.

في الحديث عن الدراما الفلسطينية المعاصرة نضع مسلسل "الفدائي" الذي أنتجته قناة الأقصى الفضائية بجزئية "2015-2016" محل مناقشة وتحليل للإجابة عن السؤال السابق، مع إبراز أوجه القوة في الرسائل المتعددة التي يريد طاقم المسلسل توجيهها من خلال المشاهد التمثيلية والتي تحاكي الواقع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني.

تناول (الفدائي 2) قضايا مختلفة ومتعددة من أوجه الحياة الفلسطينية في قطاع غزة والضفة والقدس المحتلة وأراضي الـ48، من حصار غزة إلى الأسرى في سجون الاحتلال والمقاومة الفلسطينية وانتفاضة القدس والاستيطان والتهويد وغيرها من المحاور التي جهد فريق العمل الدرامي إلى تسليط الضوء عليها.

صحيح أن أحداث الضفة الغربية والقدس كان لها الحظ الأوفر في مشاهد المسلسل مقارنة بقطاع غزة، إلا أن التركيز على الضفة ومقاومتها كان في سبيل دفع عجلة المقاومة في الضفة في ظل حالة التنسيق الأمني بين السلطة والاحتلال، والتي لم يغفل المخرج "محمد خليفة" عما يحفز به عناصر الأجهزة الأمنية في الضفة على الاشتراك في مقاومة المحتل، من خلال عضو "خلية نابلس" المقاوم الذي كان يعمل في الأجهزة الأمنية، وحتى إشراك مجموعة من الأجهزة الأمنية في العملية الكبرى في الحلقة الأخيرة وتحرير "حارة الفدائي" من المستوطنين والجيش الإسرائيلي.

دارت أحداث المسلسل في غالبيتها في مدينة الخليل، التي كانت نموذجا مصغرا للحالة الفلسطينية الآنية، مع بعض المشاهد من قطاع غزة، وأخرى في سجون الاحتلال الصهيوني التي عكست حجم الإجرام بحق الأسرى الفلسطينيين. في هذا التقرير سنعرج على ثلاثة ملفات عولجت دراميا وفنيا، باستخدام تقنيات تصويرية ومؤثرات عكست التطور في الأدوات المستخدمة في التصوير والإخراج والمونتاج رغم ظروف الحصار وقلة الإمكانيات المادية والفنية في القطاع الذي صورت فيه أحداث المسلسل، والملفات هي:

أولًا: الأسرى في السجون الصهيونية:
ظهور لافت حظيت به قضية الأسرى في سجون الاحتلال في أحداث الفدائي 2، ركزت على أحوال الأسرى وما يتعرضون له من انتهاكات وتعذيب وحشي خلال فترة التحقيق التي عكست الواقع الحقيقي للأسرى من خلال المشاهد التمثيلية. كذلك مشاهد العزل الانفرادي أعطت وصفا دقيقا لحياة الأسرى المعزولين الصعبة وكيفية تعامل السجان مع الأسرى في العزل الانفرادي، والتعذيب الوحشي الذي تسبب في فقدان العديد من الأسرى لبصرهم وجسد ذلك في شخصية "أسيد" المقاوم الفلسطيني في خلية نابلس والذي تعرض لتعذيب قاس أفقده بصره.

تطرق المسلسل لأدق تفاصيل حياة الأسرى وما يتعرضون له من اقتحامات غرفهم والاعتداء عليهم، والإضرابات عن الطعام التي خاضها الأسرى والتي حققوا من خلالها العديد من المكاسب على صعيد زيارات الأهالي وتحسين أوضاعهم الاعتقالية وإخراج الأسرى من العزل.

وأفردت العديد من المشاهد للحديث عن "العصافير-عملاء الاحتلال" الذين يعملون على سحب المعلومات من الأسرى، هذه التفاصيل التي عجز الاحتلال عن انتزاعها من الأسير خلال فترة التحقيق، لتعكس حالة الوعي الكبيرة لدى الأسرى تجاه العصافير، ومن زاوية ثانية توجه رسالة تحذير لكل أسير حتى لا يقع في شرك العصافير، وكذلك إلى العصافير أنفسهم من عاقبة العمالة والتي جسدت بمشهد تسريب صور العصافير إلى خارج السجن، الأمر الذي تبعه قتل العديد من العصافير في السجون من قبل الأسرى.

أيضًا أبرز المسلسل حالة التخبط الصهيونية تجاه قضية الأسرى، وعجزهم عن التصدي للخطوات التصعيدية لهم كالإضراب عن الطعام والامتناع عن الخروج إلى "الفورة - الاستراحة"، حيث كانت إدارة السجون ترضخ في كثير من الحالات إلى مطالب الأسرى المحقة، وهي تعكس واقعا حقيقيا تعيشه مصلحة السجون.

كذلك لم يكن العقل "الإسرائيلي" قادرا على مواجهة التخطيط الفلسطيني، حيث جسد بطل المسلسل الأسير "نضال-قائد مجموعة الفدائي" هذه الفكرة وجعل من الصهاينة أسرى لديه بحسن التخطيط، ضمن صراع الأدمغة بعيدا عن معارك السلاح، وذلك بالرغم من المبالغة حقيقة في حيثيات هروبه من السجن وتنقله في تل أبيب وصولا إلى الضفة المحتلة.

أظهر هذا الصراع ضباط الاحتلال بالعاجزين فعلا عن مواجهة هذا النوع من المقاومة الفلسطينية التي تعتمد على التفكير والتخطيط، حيث نجح الفلسطيني في توجيه الاحتلال كيف يشاء ولصالح خطته. وعكس المسلسل قدرة الأسرى على التواصل مع الخارج والتأثير في الساحة الفلسطينية، وأن السجن لم يكن يوما عائقا أمام مواصلة عملهم المقاوم، والذي نسف النظرية الأمنية للاحتلال في إنهاء المقاومة، وهذا ما يحدث عمليا على أرض الواقع.

ثانيًا: الاستيطان والاعتداءات في الضفة:
جسد مسلسل الفدائي واقع الاستيطان واعتداءات المستوطنين في الضفة المحتلة بشكل حقيقي من دون مبالغة، في رسالة واضحة إلى الرأي العام، متناولا هذه القضية من قصص واقعية مستوحاة من الحياة اليومية للفلسطينيين في الضفة. وكانت مدينة الخليل نموذجا مصغرا و"حارة الفدائي" عينة عن هذه الحالة، حيث انتهى الجزء الأول من المسلسل بطرد المستوطنين من الحارة واستعادة الأراضي الزراعية التي استولى عليها المستوطنون، ليجسد الجزء الثاني المحاولات الإسرائيلية لاستعادتها من خلال الجرائم اليومية بالاعتداء على أهالي الحارة بالقتل والحرق والإهانة وغيرها من الممارسات الحقيقية للمستوطنين في الضفة مدعومين من حكومة الاحتلال والجيش الإسرائيلي.

عكست هذه المشاهد إصرار المواطن الفلسطيني على التمسك بأرضه وبيته في مواجهة اعتداء المستوطنين، وعن اللحمة الفلسطينية لأهل الحارة ووقوفهم يدا واحدة في مواجهة المستوطنين، وإيصال هذه المظلومية للشعب الفلسطيني إلى الرأي العام. ولم يخفِ المسلسل حقيقة أن الصهاينة ليسوا على قلب رجل واحد، وإنما تجمعهم المصالح فقط في خلاف ما يروج له الإسرائيليون، وتقاطع مصالحهم في الاستيلاء على أراضي وممتلكات الفلسطينيين، وصولا إلى تلك المشاهد التمثيلية التي يقتل فيها المستوطنون بعضهم البعض لمصالح مالية.

تناول المخرج قضية اعتداء المستوطنين من خلال قصص حقيقية، منها إحراق عائلة دوابشة من قبل المستوطنين، حيث جسدت مشاهد إحراق العائلة الفلسطينية التمثيلية الجريمة الحقيقية التي لم تصورها عدسات الكاميرا، واللافت أن عملية للمقاومة في الضفة جاءت ردا على جريمة إحراق عائلة دوابشة أيضا ركزت على إنسانية المقاومة الفلسطينية، حيث تدور أحداث العملية عندما أقدم مقاوم فلسطيني على قتل مستوطن وزوجته رميًا بالرصاص في سيارتهما ولم يؤذِ الأطفال الإسرائيليين، في نقيض الجريمة الصهيونية التي لم تستثنِ الأطفال.

المرأة الفلسطينية كان لها ظهور مميز في أحداث المسلسل ضد ممارسات الاحتلال والمستوطنين، وكانت المرأة كتفًا إلى كتف مع الرجل في الدفاع عن الوطن والتصدي لاعتداءات المستوطنين، مما عرضها للاعتقال والقتل وعكست واقع النسوة الفلسطينيات ونضالهن في وجه المحتل. نقلت أحداث المسلسل بكل احترافية وموضوعية معاناة الشعب الفلسطيني في الضفة المحتلة مع استمرار الاستيطان، ولا يمكنك أن تحبس دموعك أمام العديد من المشاهد التي تنقل عذابات الفلسطينيين في الضفة.

ملفات أخرى متعلفة