سفينة النسوة "زيتونة" وحالة التضامن الدولي

أشرف مقداس
الأحد ٠٩ ١٠ / ٢٠١٦
مما لا شكّ فيه أن شعبنا عانى الكثير من الويلات طيلة مدة الحصار المضروب عليه منذ نحو عشر سنوات، وتجرّع المرارة بسبب ما ترتب على هذا الحصار من زيادة حدّة مستويي الفقر والبطالة، وقلة ذات اليد لدى أهل غزة المكلومة على وجه التحديد، لاسيّما الموظفون الذين يتقاضى جزء كبير منهم نصف راتبه أو أقل، الذي لا يكفي لتغطية الحد الأدنى من متطلباته.

وقد تضاعف هذا الوضع الكارثي مع تراكمات الحصار الظالم، وازداد شراسة في ظل غياب حالة التضامن الشعبي والإقليمي والدولي مع القضية الفلسطينية، ونصرة الشعب الفلسطيني وكسر الحصار، فتوقفت قوافل الإغاثة والنصرة التي كانت تأتي تباعًا من مناطق العالم كافة، إذ إنها أصبحت تعيش في حالة موت سريري واحتضار، شعر بأثرها المواطن الفلسطيني، وترتب عليها مزيد من الضغط النفسي وزيادة في نسب الفقر والبطالة والقهر والحرمان.

وقد بات كل ما سبق مألوفًا مع مرارة الحالة، ومع قسوة هذا الجفاء الدولي وقلة النصرة، لكن من العجب العجاب، خاصة أننا في زمن العجائب، "على أنها الأيام قد صرن كلها عجائب حتى ليس فيها عجائب"، وكما يقول الشاعر: "ومن العجائب والعجائب جمّة ... قرب الدواء وما إليه وصول، عالعِيس في البيداء يقتلها الظمأ ... والماء فوق ظهورها محمول"؛ من العجائب أن تنبري مجموعة من النسوة، ويخضن غمار التصدي للمحتل الغاصب، ويتجشّمن عناء السفر من أجل أن يقدمن العون والمدد للشعب الفلسطيني، وكسر الحصار عنه، هن مجموعة من النسوة الواحدة منهنّ بأمة من الرجال الذين يزعمون أنهم رجال، لكن الحقيقة والواقع أنهم أشباه رجال.

مصيبة أن تجد القادة والزعماء العرب والمسلمين ينصّبون أنفسهم مسؤولين وأصحاب قوة ومنعة، لكنهم لا يستطيعون أن يقوموا بجزء بسيط مما قامت به هؤلاء النسوة، هؤلاء اللواتي جئن من آخر الدنيا، جاهزات للتضحية، جاهزات لتقديم الروح، فهذا العدو ليس غريبًا عليه أن يقتل ويسفك الدماء، وقد سبق أن فعلها، لكنهنّ آثرن أن يقمن بهذا الدور البطولي والرجولي، ليرسلن رسالة لأولئك الذين يدّعون الرجولة، أن تحركوا إن بقي في وجوهكم بعض الحياء، أو لتلبسوا لباس النساء، ولكن ليس أي نساء، فمثل نسوة سفينة "زيتونة" نعلُ الواحدة منهنّ بأمّة من أولئك القادة والزعماء.

وإننا ونحن نرى هذه القرصنة الصهيونية تجاه من جاؤوا نصرة لشعبنا وسعيًا لكسر الحصار عنه، فإننا نثق بأن الأمة لن تترك شعبنا هكذا نهبًا لغطرسة العدو الصهيوني، وسياسة التجويع والظلم التي تنتهجها دول "صديقة"، لكنها صديقة للمحتل على حساب شعبنا وحصاره وتجويعه؛ نوقع أن حالة التضامن الدولي لم تمت، وأنها في طريقها إلى النهوض من جديد بفضل الله (تعالى) أولًا، ثم بجهود أولئك النسوة الكريمات اللواتي تقدّمن بخطىً جريئة باتجاه نصر الحق والعدل.

إنّ شعبنا الذي عانى الويلات والجوع والحصار يعلم أن هذا الألم هو ضريبة الثبات والرباط والجهاد على أرض فلسطين، وأن هذا الجهد لن يضيع بإذن الله، ويوقن بأن أي تحرير أو نصرة أو تمكين لن تأتي قبل أن يعيش أهلها في مرحلة الاستضعاف والابتلاء والتمحيص، فالنصر وعد من الله (تعالى) لعباده المؤمنين، والله لن يضيع شعبنا ولن يتركه، بل إن النصر سيكون بإذن الله (تعالى) حليفنا، وصدق المولى (سبحانه) إذ يقول: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا"، فهو وعد من الله بزوال الحصار وبزوال الظلم، وبقرب جولة جديدة في الصراع يكون حداتها الرجال الثابتين والصادقين والمرابطين، وما علينا إلا أن نتحلى بمزيد من الصبر والمصابرة حتى نعاين النصر والتمكين، "يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون".

ملفات أخرى متعلفة