عوامل فوز حماس في أي انتخابات قادمة

جمال حاج علي
الأربعاء ١٧ ٠٨ / ٢٠١٦
أحدث إعلان السلطة الفلسطينية إجراء انتخابات لمجالس الحكم المحلي تباينًا واضحًا في وجهات النظر، فطالب بعضٌ الرئيس أبا مازن بإجراء الانتخابات، وضخ دماء جديدة في إدارة السلطات المحلية، عازين ذلك إلى ضعف المجالس الحالية التي انتخب بعضها عام 2012م، ولم تقدم الكثير للمجتمع المحلي، مع إسهامات الجماهير المالية المدفوعة في صورة ضرائب ورخص بناء، فلم تحقق هذه المجالس على الأرض أكثر من بعض الأبنية التي تتملكها بلديات المدن الكبرى على حساب مساحات قليلة من الأرض، كان من الأجدى أن تبقى ساحات ومتنزهات عامة مجانية للمواطنين المتكدسين في شققهم السكنية، وبعض الخدمات الروتينية التي تتعلق بالنظافة والمياه والكهرباء، أو بعض المشاريع التي تتبرع بتمويلها الدول المانحة كتعبيد بعض الطرق، وتأمل هذه الأصوات المطالِبة بالانتخابات إيجاد فرص لعدد من القيادات الشابة أو الراغبة في العمل، وخاصة من كوادر حركة فتح التي تمسك بزمام السلطة في الضفة الغربية.

لم يكن من الوارد في الحسبان لدى أغلب الأوساط وحركة فتح إعلان حركة حماس نيتها المشاركة في هذه الانتخابات، والسماح بإجرائها في قطاع غزة، لقد لاقى إعلان حماس هذا ردة فعل لدى الأوساط الفتحاوية، كونها المعني الأول بهذه الانتخابات، فبعضهم طالب الرئيس بتأجيل هذه الانتخابات كعضو المجلس التشريعي جمال الطيراوي، وحسن عصفور أحد مهندسي اتفاقية (أوسلو)، وبعضهم طالب بتوحيد صفوف الحركة وخوض هذه الانتخابات والعمل على الفوز فيها، ومنهم نبيل شعث الذي رحب بإجرائها.

توقع الكثير من المحللين للشأن الفلسطيني فوز حماس في هذه الانتخابات، أو أي انتخابات قادمة تشهدها الساحة الفلسطينية في هذه المرحلة، حتى إنّ بعض الأوساط الإعلامية والأمنية الإسرائيلية حذرت من إجرائها، مستندة إلى معطيات تراها؛ ففي صحيفة (هآرتس) رأى محللها للشؤون العسكرية عاموس هرئيل أن تفاؤل فتح في الفوز ليس بمحله، وسوف تستغل حماس الركون إلى هذا التفاؤل وستزيد من جهودها للفوز، وقال هرئيل: "إنّ الأمن الإسرائيلي تحدث إلى نظرائه الفلسطينيين أن حماس ستستغل هذه الاستهانة بالخصم للفوز في الانتخابات، وزيادة تأثيرها السياسي بالضفة، وإضعاف السلطة"، وقال يوسي ميلمان الخبير الأمني الإسرائيلي في صحيفة (معاريف): "إن (إسرائيل) تستعد إلى "مفاجأة أكتوبر"، وهي الفوز الكبير المتوقع لحركة حماس في الانتخابات البلدية الفلسطينية".

وبنظرة واقعية: ما عوامل فوز حماس في حال حدثت انتخابات في ظروف مماثلة لظروف عام 2005م؟، وهو عام الانتخابات البلدية التي حققت حماس فيها فوزًا كبيرًا، في ظل الانفراج الأمني الداخلي الذي سمح لجميع الكتل بتقديم نفسها دون أدنى ضغط أو تضييق أمني للمواطن الفلسطيني.

هناك نوعان من العوامل لهذا الفوز، عوامل خارجية وعوامل داخلية، أمّا العوامل الخارجية فهي متعلقة بالخصم السياسي الأهم أمام حركة حماس، وهي حركة فتح، فهي التي تبنت وقادت انطلاقًا من منظمة التحرير برنامجًا سياسيًّا منذ خمسة وعشرين عامًا، مبنيًّا على المفاوضات المباشرة مع كيان الاحتلال، وخيار حل الدولتين، وإذا قطار المفاوضات يصل إلى طريق مسدود أمام رفض الاحتلال تقديم تنازلات على الأرض تسهم في قيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967م.

لقد ركنت فتح إلى مسيرة المفاوضات بعد أن تخلت عن برنامجها التحرري المبني على الكفاح المسلح، وأشغلت كوادرها بإدارة السلطة وبيروقراطيتها، ولم تهتم بتنشئة جيل جديد على أسسها التي انطلقت من أجلها، ما أضعف صفها الداخلي، وجعل جزءًا من الذين يرغبون في الوصول إلى شأن ما ينضمون إلى الحركة دون معرفة لقواعدها ومنطلقاتها.

إنّ حركة فتح الآن تفتقد رص صفوفها، فهي منقسمة إلى تيارات، وعيون بعض فيها متجهة نحو خلافة أبي مازن، ومن هنا يصعب إيجاد قائمة واحدة لها في العديد من المواقع، أو حسم الأمر على قائمة وطنية تشمل الكل الفلسطيني.

أما من جهة السلطة التي تديرها حركة فتح فهناك الكثير من الملاحظات، منها الاستئثار الوظيفي، وقضايا الفساد المالي التي تتابع المحاكم الفلسطينية عددًا منها، والوضع الاقتصادي غير المستقر، واحتكار رأس المال بيد فئة قليلة من الناس تزاوجت مع السلطة، وتسيطر على مفاصل هذا الاقتصاد وقطاعاته المفصلية كقطاع الاتصالات، على سبيل المثال لا الحصر.

أما عوامل فوز حماس الداخلية فأولها أن الحركة تبنت برنامجًا منذ تأسيسها، وما زالت متمسكة به، وهو مبني بالأساس على خيار المقاومة بكل صورها، وعدم التنازل عن أي جزء من أرض فلسطين، مع ترحيب قياداتها بقبول دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران دون التنازل عن الحق الفلسطيني ‏فيما تبقى من أراضٍ محتلة، وهي التي خاضت ثلاث حروب في ست سنوات، وقدمت خيرة قياداتها في سبيل الدفاع عن الشعب الفلسطيني، وهي التي رفضت رفع الحصار عنها حركةً وعن قطاع غزة مقابل قبول شروط الرباعية الدولية، التي تطالب في المقام الأول بالاعتراف بالكيان العبري وأن له حقًّا بالوجود على أرض فلسطين.

في المقابل إنّ حماس تراهن على الشعب الفلسطيني في التفرقة بين عدم قدرتها على إدارة البلديات ومنعها من ذلك، حين اعتقل أغلب عناصرها الذين فازوا في الانتخابات التي حدثت عام 2005م، وأن قاعدتها الجماهيرية لم تتضرر نتيجة ذلك، بل على العكس؛ فمع الاعتقالات وإغلاق كل مؤسسات حماس في الضفة الغربية ومنع نشاطاتها وحرمانها حقوقها النقابية حققت في الانتخابات الطلابية نجاحًا وتقدمًا يعدان مؤشرًا على حضورها في الشارع الضفي.

وأمر آخر ومهم، ويعد ميزة داعمة لفوز حماس، وهو أنّ هذه الحركة تقدمت سابقًا للانتخابات وتتقدم الآن موحدة مرصوصة الصف، إذ لم يسجل في تاريخها أي انشقاق أو خروج على الإجماع، وإن تباينت الآراء الداخلية فيها أو تصريحات بعض قياداتها، ولم يحدث أن تراشق قادتها نقدًا أو تشهيرًا، ما يجعل صورتها أمام الجماهير متماسكة غير مشروخة.

من هنا إن كانت التقديرات تصبّ في مصلحة حركة حماس وفوزها في هذه الانتخابات، في حال تحققت الموضوعية والشفافية وتكافؤ الفرص؛ فإنّ مصلحة الجماهير الفلسطينية في هذه اللحظة تحديدًا لهي بأمس الحاجة إلى الجهود الموحدة، وذلك بتشكيل قوائم وطنية تشارك فيها الفصائل كافّة لتقديم الأفضل، وتغيير الصورة النمطية لدى المواطن الفلسطيني المبنية على صورة الانقسام الراسخة منذ عشر سنوات.

ملفات أخرى متعلفة